تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان في جامع قرطبة سبعة آلاف مصباح تنعكس أنوارها على النقوش المذهبة والزمرد والياقوت والمفصص ... وغيرها، فتزيد في جماله، وعلى ما أصيب به هذا المسجد من الأضرار بقي إلى اليوم من أغرب أبنية الأرض.

وقال غوتيه: لا سبيل إلى وصف التأثر الذي يشعر به المرء عند دخوله هذا المسجد الإسلامي القديم، فيتراءى لك أنك تسير في غابة مسقوفة لا في بناء مصنوع، وحيث اتجهت يضيع بصرك في صفوف من السواري تلتقي وتمتد على مرمى البصر مثل غراس من المرمر ظهرت من تلقاء نفسها على أديم الأرض. ا.ه.

نعم، إن البيعة التي أقيمت وسط جامع قرطبة والبيع الصغرى التي جعلت في أكثر زواياه قد شوهت من محاسنه، وأبدلته عن أصله، وفي نية ديوان الآثار فيما بلغني أن يرجع القديم كما كان، وينقل الآثار المسيحية من جامع قرطبة؛ ليبقى بدون زيادة ولا نقصان طرازا في البناء منقطع القرين في الأرضين، إلا أن البيعة الوسطى شارلكان يصعب نقل أنقاضها؛ لما فيها من الزخرف، ولما صرف عليها من المال.

هذا ما بقي من آثار الأجداد في قرطبة، وقد زرتها وأرباضها فرأيتها وهي على منبسط من الأرض تشبه ضاحيتها ضواحي دمشق وهندسة أكثر بيوتها الجديدة على الطراز العربي البديع، ولأهلها إلى هذا العهد حرمة له، وغرام به، وحرص عليه يعدونه من جملة مقدساتهم.

وعلى أربعة أميال من قرطبة بنيت مدينة الزهراء سنة 325ه بناها الناصر لدين الله الأموي في ست عشرة سنة، وطولها ألف وستمائة ذراع، وعرضها ألف وسبعون ذراعا، وجعل في سورها ثلاثمائة برج وخص قصورا للخلافة وثلثها للخدم وثلثها بساتين، وكان يدخل فيها كل يوم من الحجر المنحوت ستة آلاف صخرة سوى الآجر وغيرها، وحمل إليها الرخام من أقطار الغرب، ودخل فيها أربعة آلاف وثلاثمائة سارية، وأهدى ملك الإفرنج لبانيها أربعين سارية رخام، وأما الوردي والأخضر فمن إفريقية، والحوض المذهب جلب من قسطنطينية، والحوض الصغير على صورة أسد وصورة غزال وصورة عقاب وصورة ثعبان ... وغير ذلك والكل بالذهب المرصع بالجوهر، وكان ينفق عليها ثلث دخل الأندلس، وكان دخلها يومئذ خمسة آلاف ألف وأربعمائة ألف وثمانين ألف درهم.

وقال أحد المؤرخين: إن مباني الزهراء اشتملت على أربعة آلاف سارية جلبت من رومية وقسطنطينية وقرطاجنة وتونس وإفريقية، فيها خمسة عشر ألف باب ملبس بالحديد والنحاس المموه، وكان عدد الفتيان فيها ثلاثة عشر ألف فتى وسبعمائة وخمسين فتى، وعدد النساء بقصر الزهراء ستة آلاف وثلاثمائة امرأة وأربع عشرة امرأة، وكان على الحجر الذي جلب من مقالع الأندلس أو حمل من القاصية نقوش وتماثيل وصور على صور الإنسان، ولما جلبه أحمد الفيلسوف، وقيل غيره، أمر الناصر بنصبه في وسط المجلس الشرقي المعروف بالمؤنس، ونصب عليه اثني عشر تمثالا، وقال بعضهم: عمل في الزهراء عشرة آلاف عامل خمسا وعشرين سنة، وفي الشرق من الوادي الكبير مدينة الزاهرة التي بناها المنصور بن أبي عامر التي يقول فيها ابن عربي لما دخلها ووجدها متهدمة:

ديار بأكفاف الملاعب تلمع

وما إن بها من ساكن فهي بلقع

ينوح عليها الطير من كل جانب

فتصمت أحيانا وحينا ترجع

فخاطبت منها طائرا متفردا

له شجن في القلب وهو مروع

فقلت على ماذا تنوح وتشتكي

فقال على دهر مضى ليس يرجع

وقد حرقت الزهراء وهدمت في حدود سنة 400ه وبقيت رسومها، وخربت قرطبة وما فيها من القصور والمرافق في حرب البربر، وسقطت في أيدي العدو سنة 633ه بعد أن كانت مدة خمسة قرون وخمس قرون في أيدي العرب، ولم يعد حكمهم إليها بعد ذلك، ولما خلت قرطبة من سلطان يرجع إلى أمره صار كل من قويت يده عمر مدينة فخربت قرطبة وعمرت إشبيلية.

| هوامش

الفصل الرابع عشر

| مدينة إشبيلية

على شاطئ الوادي الكبير في أجمل بقاع الأندلس وأعدلها هواء وأزكاها تربة قامت هذه العاصمة التي كانت من أعظم مدن الأندلس بعد سقوط قرطبة في أيدي الإسبان، وكانت مدينة الحظ والسرور على اختلاف الدهور والعصور، وليس اليوم في إشبيلية بقايا كثيرة من آثار العرب إلا الجيرالد أو منارة الجامع الأعظم وهي أعجوبة إشبيلية ترى من مكان بعيد، بناها مهندس عربي من سنة 1184-1196 لأبي يوسف بن يوسف من دولة الموحدين، وهي من الآجر، يدق حجمها كلما ارتقت في الهواء، وقاعدتها عبارة عن مربع ذي 13مترا و55 سنتيمترا، ويزيد سمك الجدران على مترين، وقد تشوهت بما زاد عليها الإسبان بعد خروجها من أيدي العرب، وهي الآن قبة جرس البيعة الكبرى.

غابر الأندلس وحاضرها · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غابر الأندلس وحاضرهاص ٣٢