1
تكون الفتيا في الأحكام والشرائع له يأتون كل جمعة للصلاة مع الخليفة بقرطبة، ويطالعونه بأحوال بلدهم.
قال المراكشي: بلغت قرطبة من القوة، وكثرة العمارة، وازدحام الناس مبلغا لم تبلغه بلدة. حكى ابن فياض في تاريخه في أخبار قرطبة، قال: كان بالربض الشرقي من قرطبة مائة وسبعون امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي في هذا ما في ناحية من نواحيها، فكيف بجميع جهاتها، وكان الماشي يستضيء بسرج قرطبة ثلاثة فراسخ لا ينقطع عنه الضوء.
وفي تواريخ الإفرنج أن قرطبة كانت منقطعة القرين بين مدن الغرب؛ أي أوروبا، وليس ما يشبهها بعمرانها وسكانها، فكان فيها خمسمائة ألف ساكن و287 ربضا، وهي مكتظة بالسكان، وقد قامت المتنزهات البهجة المغروسة بأنواع الأشجار على طول الوادي الكبير والقصور والمصايف مغطاة بالخضرة، وكان في هذا الوادي الكبير أربعة عشر ألف قرية.
فقرطبة كانت أعظم مدينة بالأندلس ليس بجميع المغرب «لها شبه كثرة أهل وسعة رقعة وفسحة أسواق ونظافة محال وعمارة مساجد وكثرة حمامات وفنادق» ووصفها المقدسي فقال: «وصف ما شئت من طيبها ورحبها فإنها جنة الأندلس على ما حكي لي وهي مصر الأندلس، وقد دلت الدلائل، واتفقت الآراء على أنه مصر جليل رفيق طيب، وأن ثم عدلا ونظرا وسياسة طيبة ونعمة ظاهرة ودينا، وهي في جهاد ونفير أبدا مع علم كثير، وسلطان خطير، وخصائص وتجارات وفوائد» وذكروا أن لأهل قرطبة رئاسة ووقارا لا تزال سمة العلم والملك متوارثة فيهم.
ليس في قرطبة اليوم من آثار العرب سوى قطعة من مسجدها الأعظم بناه عبد الرحمن الداخل، وكان معبدا للويزغوت على اسم القديس منصور، وقد ملكه المسيحيون، وأخذ المسلمون نصفه سنة 785م، ولما شرع بالبناء ابتاع عبد الرحمن النصف الآخر منهم كما فعل الوليد الأموي في دمشق يوم بنى جامعها، واستصفى النصف الآخر من أربابه المسيحيين، وعوضهم عنه كنائس أخرى.
وزاد الناصر عبد الرحمن بن محمد في المسجد الجامع بقرطبة زيادته المشهورة، وفيها القبو الكبير الذي يصطف المؤذنون أمامه يوم الجمعة للآذان، وهو من أعجب البنيان، وحبس المستنصر بالله على الجامع بقرطبة لما كملت زيادته ربع جميع ما جرته إليه الوراثة عن أبيه أمير المؤمنين في جميع كور الأندلس وأقاليمها على ثغور الأندلس كافة، تفرق غلات هذه الضياع عاما بعد عام على ضعفائهم، إلا أن تكون بقرطبة مجاعة فتفرق فيهم.
ومما قيل في آثار مدينة قرطبة وعظمها حين تكامل أمرها في مدة بني أمية: أن عدة الدور التي بداخلها للرعية دون الوزراء وأكابر أهل الخدمة: مائة ألف دار وثلاثة عشر ألف دار، ومساجدها: ثلاثة آلاف، وعدة الدور التي بقصرها الزهراء: أربعمائة دار، وذلك لسكنى السلطان وحاشيته وأهل بيته.
وقالوا: إن المسلمين لما فتحوا قرطبة وجدوا بها آثار قنطرة فوق نهرها على حنايا وثائق الأركان من تأسيس الأمم الدائرة قد هدمها مرور النهر على الأزمان فتقدم إلى فضيلة النظر فيها عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - عندما اتصل به خبرها، فأمر السمح بابتنائها؛ فصنعت على أتم وأعظم ما بني عليه جسر من حجارة سور المدينة، وربما كان هذا أول عمل في العمران قام على أيدي عرب الأندلس في القرن الأول للهجرة.
قال بعضهم: لم يكن للعرب هندسة خاصة لما دخلوا قرطبة، وكانوا يعتمدون على هندسة أهل البلاد التي تغلبوا عليها، فنسجوا في بناء المسجد على مثال مساجد مصر ومسجد القيروان، وكان هذا من أعظم مساجد الإسلام، وقيل: إنه بني على شكل مسجد دمشق، وكان فيه 1418 سارية تشبه غابة ملتفة، والباقي منها الآن 860، وهي أدق من سواري الجامع الأموي اليوم، وقال آخر: إن الباني وأخلافه جلبوا هذه السواري من أبنية قديمة وبيع مسيحية في القاصية كجنوبي فرنسا وإفريقية؛ أي قرطاجنة والآستانة، وتبين أن أكثرها من مقالع أندلسية، ومحراب هذا المسجد الجامع لا يزال محفوظا، وهو دهشة إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم، وعلو قبته تسعة أمتار، حفر في قطعة واحدة من المرمر، وعمل بالفسيفساء، وزبرت عليه آيات كريمة، وله اثنان وعشرون بابا معمولا بالنحاس، بقي الآن منها 12 بابا، وعلى بعضها صورة نقوشها الأصلية، وقد قام البرج الذي هناك مقام المنارة التي أنشأها عبد الرحمن الناصر. يقول جوسيه: لو أقيمت البيعة التي أقاموها وسط الجامع على عهد شارلكان في مكان آخر لصار لها شأن، وهي هنا من أبشع آثار الهندسة إذا أحدث بانوها بها ضررا على بناء وحيد من نوعه في العالم.