تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| هوامش

الفصل العاشر

| تفنن عرب الأندلس

لم تقف همة الأندلسيين عند حد الإبداع في هندسة الدور والمصانع، وعمل النقش والتزويق، وتنجيد البناء والزخرف فيه، وبناء الجسور وتعبيد الطرق، وإنشاء السكور والسدود. فإن هذه الأعمال في العمران كانت نتائج لازمة للثروة العظيمة التي فاضت عليهم من زراعاتهم وصناعاتهم ومتاجرهم. فقد تفننوا أنواع التفنن في الزراعة، ونقلوا إلى الأندلس من الشام أنواعا من الأشجار والأزهار والغراس والبقول لم يكن لإسبانيا عهد بها، ومنها انتقلت إلى أوروبا الغربية، ومن جملة ما أدخلوه من أنواع الشجر والنبات الفستق والموز والنخيل والأرز والقطن والتوت وقصب السكر والزعفران والهيلون وزهر الكاميليا الحمراء والبيضاء والورد الياباني وغير ذلك، وتفننوا في هذا تفنن الغربيين لعهدنا بزروعهم وورودهم وثمارهم وبقولهم حتى كانت الأندلس المعتدلة الأقاليم الحسنة المناخ تعطي ثلاثة مواسم في السنة؛ لحسن استثمارها، فتدر على أهلها أخلاف الرزق والغنى سواء في العناية عندهم الأعذاء؛ أي الأراضي التي تسقى بالأمطار أو التي تسقى سيحا؛ أي بماء الأنهار؛ ذلك لأنهم حفروا آبارا، وأسالوا المياه من القاصية، وعملوا خزانات وسدودا.

وكان لهم بصر بالصنائع حملوا معهم من الشام أيضا صناعة صقل السيوف، وهي الصناعة التي نسبت إلى دمشق حتى اليوم فقيل لها بالإفرنجية

Damasquinure

أو

Damasquinerie

أو

Damasquinage

أي تنزيل الذهب والفضة في الفولاذ، وقد اشتق منه الفعل عندهم

Damasquiner

كما نقلوا صنعة الأقمشة من الحرير والكتان مزينة بالرسوم من دمشق أيضا فنسبت إليها عندهم، وقالوا في فعلها

Damasser

أي عمل ثيابا على النمط الدمشقي.

واختصت قرطبة بدبغ الأديم أي الجلود، وإشبيلية بالحرير (كان فيها سنة 1515 ستة عشر ألف نول يعمل فيها 130 ألفا من العملة، فأصبح عددها سنة 1673 أربعمائة نول فقط، وذلك بعد جلاء العرب والإسرائيليين) وكان بمالقة يعمل الزجاج كما «يصنع الفخار المذهب العجيب، ويجلب منها إلى أقاصي البلاد» وإلى اليوم ينسبون هذا الصنف إلى مالقة، فيقولون في بلاد الشام المالقي للصحاف والأواني المعروفة، واشتهرت ألمرية بعمل الوشي والديباج والجوخ (كان فيها 6000 نول للأجواخ) و«لكورة باجة خاصية في دباغة الأديم وصناعة الكتان» وكان في ألمرية «لنسج طرز الحرير ثمانمائة نول، وللحلل النفيسة والديباج الفاخر ألف نول، وللأسقلاطون

1

كذلك، وللثياب الجرجانية كذلك، وللأصفهانية مثل ذلك، وللعنابي والمغاجر

2

المدهشة والستور المكللة، ويصنع بها من صنوف آلات الحديد والنحاس والزجاج ما لا يوصف».

وكان الديباج والوشي يعمل أولا في قرطبة، ثم غلبت عليها ألمرية، فلم يتفق في الأندلس من يجيد عمل الديباج إجادة أهل ألمرية، وانفردت سرقسطة بصنعة السمور ولطف تدبيره وهي الثياب الرقيقة المعروفة بالسرقسطة خصوصية لأهل هذا الصقع «وفي جميع نواحيها يعمل الكتان والحرير الفائق» وكان في جيان 600 نول للحرير، ويعمل السجاد في رية والسلاح والحلي في قرطبة ومرسية وطليطلة وسرقسطة، وأخذت شاطبة تصدر الورق بكثرة منذ سنة 1009، قال ياقوت: وفي شاطبة يعمل الكاغد الجيد، ويحمل منها إلى سائر بلاد الأندلس، وبالجملة فلأهل هذه الديار «خصائص كثيرة، ومحاسن لا تحصى، وإتقان لجميع ما يصنعون» قال ميجون: كانت في الأندلس عدة معامل مشهورة لصنع الفسيفساء، ويسمونه المفصص، ونقلت صناعة الفسيفساء عن الرومان.

وهكذا رسخت الصنائع في أمصار الأندلس برسوخ الحضارة، وطول أمدها، قال ابن خلدون: «فإنا نجد في الأندلس رسوم الصنائع قائمة وأحوالها مستحكمة راسخة في جميع ما تدعو إليه عوائد أمصارها كالمباني والطبخ، وأصناف الغناء واللهو من الآلات والأوتار والرقص، وتنفيذ الفرش في القصور، وحسن الترتيب والأوضاع في البناء، وصوغ الآنية من المعادن والخزف، وجمع المواعين، وإقامة الولائم والأعراس، وسائر الصنائع التي يدعو إليها الترف وعوائده، فنجدهم أقوم عليها وأبصر بها، ونجد صنائعها مستحكمة لديهم، فهم على حصة موفورة من ذلك وحفظ متميز بين جميع الأمصار.»

غابر الأندلس وحاضرها · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غابر الأندلس وحاضرهاص ٢٤