وذكر سيديليون أن العرب من حيث الأخلاق والعلم والصناعة كانوا أرقى بكثير من الإسبان، وهم أمتن أخلاقا وطبائع، وفيهم الكرم والإخلاص والإحسان الذي لم يكن عند عداتهم، كما أن فيهم عزة النفس التي امتازوا بها في كل زمن، وكان الإفراط المضر فيها داعيا إلى إحداث البراز، وساعد على عظمة العرب في إسبانيا انتشار الآداب والعلوم والفنون على عهدهم انتشارا كبيرا، وكذلك الزراعة والصناعة، وعم الذوق في اللذائذ العقلية جميع طبقات المجتمع، والشعر يرقي النفوس، وغدت المنافسة الشريفة على أتمها في الأفكار، وكانوا يكتبون على جميع المصانع اسم من أمر ببنائها واسم بانيها، والأمة تمدح المحسن لبنائها، وارتقت عندهم الهندسة والموسيقى والرقص إلى درجة ذات بال، ولا يزال إلى اليوم في الغرب يدرس أسلوب بنائهم، ويعجب بما نقشوه فيها من النقوش، وكان لدولة الموحدين في الأندلس ذوق خاص في البناء؛ أنشئوا الجوامع والمآذن والأماكن العامة والمستشفيات والرباطات في كل بلد من بلادهم، وأقاموا الطرق والجسور والسدود، وحفروا الآبار، وأجروا الأنهار. ا.ه.
ولقد كانوا يستخرجون من مناجمهم الزئبق والتوتيا والحديد والرصاص والفضة والذهب، ويستقطرون السكر، ويعملون اللبود «المشهور في جميع الأرض بالجودة والصبغ والحسن. ولهم من الألوان والأصباغ والحشائش التي يلون بها الحرير وأنواع الصوف والثياب ما ليس في بلد من بلدان الأرض له نظير حسنا وكثرة»، ويحملون حاصلاتهم ومصنوعاتهم إلى أقطار المملكة العربية؛ بل إلى أقاصي البلاد الشرقية والغربية في البحار على سفن الأندلسيين التجارية، وكان لهم أساطيل في كل فرضة من فرضهم تقلع على الدوام من مواني الأندلس؛ لتحمل إلى شواطئ إفريقية وآسيا وأوروبا ما يروج فيها من سلعهم ومعادنهم وثمارهم وحبوبهم.
قال كاباتون: كانت مدنية العرب في إسبانيا ظاهرة في الأمور المادية، وذلك بما استعملوه من الوسائط الزراعية لإخصاب الأراضي البائرة في الأندلس من الأساليب العلمية التي اتخذوها لريها، وهي أساليب إن لم تكن من اختراع العرب فهم الذين أكملوا نواقصها، وأحسنوا استخدامها، كما أنهم أسسوا معامل للحرير والجلود والبللور وغزال الصوف والقطن والكتان والقصب، وأقاموا ما لا يحصى من المعاهد العامة، وفيها ما يستدعي إعجاب الأمم بأسرها حتى بعد ثمانية قرون من إنشائه. ا.ه.
وقال أحد علماء الفرنجة: كان في الأندلس على عهد الحضارة العربية أربعون مليون نسمة من أرباب الصنائع والعمل (سكان إسبانيا اليوم 21 مليونا، وسكان البرتغال 6 ملايين) وعلى ذلك العهد قامت فيها المدن المهمة التي يعجب الناس إلى اليوم بحرائبها، وعلى ذاك العهد كانت الزراعة ناجحة، وبفضل هندسة العرب كانت المياه تجري إلى كل مكان في بسائطها فتحمل الخصب والإمراع، وقال آخر: إن عهد استيلاء العرب على إسبانيا كان أسعد أيامها؛ لنجاح زراعتها بما قام فيها من أعمال السقيا، وبفضل غراسهم وزروعهم، وحسن استثمارهم لمعادن الأرض ومناجمها، ولما اغتنت البلاد كثر فيها سكان الدساكر والقرى كما كثر سكان المدن الكبرى.
ولا عجب - وحال البلاد من ارتقاء الصنائع والزراعة وتعدين المناجم واتساع التجارة قد بلغ هذا الحد - وإن كانت جباياتها من حقوقها وغير واجبها إلى سنة 340ه نحو عشرين ألف ألف دينار، قال ابن حوقل: ولست أشك على ما يوجبه النظر، وتوطأ به الخبر، فيما جمعه الحكم بعد هلاك أبيه من خدمة والمصادرين الذين كانوا في جملته عن أسباب الأندلس ولوازمها وجباياتها وخراجها وأعشارها وصدقاتها وجواليها تمام أربعين ألف ألف دينار، وبلغ خراج الأندلس على عهد عبد الرحمن الثالث عدا ما كانت دولته تستوفيه عينا 6245000 دينار، وحكى ابن خلدون عن الثقات من مؤرخي الأندلس: أن عبد الرحمن الناصر خلف في بيوت أمواله خمسة آلاف ألف ألف ألف دينار، مكررة ثلاث مرات، يكون جملتها بالقناطير خمسمائة ألف قنطار، وكان هذا الملك يقسم الجباية أثلاثا؛ ثلث للجند، وثلث للبناء، وثلث مدخر، وكانت جباية الأندلس يومئذ من الكور والقرى خمسة آلاف ألف وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار، ومن الستوق