تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأسرف الخطيب في ترويع الخليفة وتقريعه، ولم يحسن السياسة في وعظه؛ فاستشاط الخليفة غضبا، وأقسم ألا يصلي خلف الخطيب الجمعة أبدا، فقال له الحاكم: وما الذي يمنعك عن عزل منذر بن سعيد والاستبدال به؟ فزجره أبوه وانتهره وقال: أمثل منذر بن سعيد في فضله وورعه وعلمه وحلمه لا أم لك يعزل في إرضاء نفس ناكبة عن الرشد؟

مثال آخر: شنع أحد المؤرخين على أحد الملوك المعاصرين في الأندلس، فخنق ابن الملك، وهم بقتل المؤرخ، فلما شعر أبوه بذلك قال له: إليك عن هذا الفكر الخبيث، ولئن قتلته لأكونن أنا المطالب بدمه. تقتله ليعيرنا الناس بأننا نقتل مؤرخينا. حتى إذا مضت أيام دخل المؤرخ الحمام ليستحم، فلما خرج ليلبس ثيابه رأى فيها صرة تضم ألف دينار ورقعة من الملك يقول فيها: إن الذي أوصل إليك هذه الدراهم وأنت لا تشعر قادر أن يرسل إليك من يقتلك فكف غرب لسانك عنا، وإذا عدت فأرخت ثانيا لا تشنع علينا أعمالنا. قال دوزي: إذا قيست حرية العرب بحرية الإفرنج تشبه هذه الاستبداد.

وما زال هذا التسامح المحمود حتى انتقل ملك العرب في الأندلس إلى المرابطين والموحدين، وكانوا إفريقيين لا يخلون من شيء من التعصب، وليس فيهم تسامح الأمويين العرب؛ فتبدلت الحال بعض الشيء، وذهبت أو كادت طلاوة تلك المدنية التي أقاموها، وكانت لا بالغربية ولا بالشرقية، فبهر خبرها ومخبرها لولا أن قام الملوك من بني نصر في غرناطة، ورأبوا الصدع، وجبروا الكسر، وكانوا كلما صغرت رقعة ملكهم زادت الرقعة الباقية ارتقاء فتنتقل القوة والنفوس من بلد زال عنها سلطانهم إلى بلاد يرفرف عليها علمهم، ويزيد ملوكهم تسامحا مع ذمتهم ومجاوريهم، وهمة في تعهد صناعاتهم وزراعتهم وعمران مدنهم التي حصنوها بالعدل والإحسان.

| هوامش

الفصل الثامن

| العرب والإسبان

قال بعضهم: لو لم يقم كلوفيس

1

بحروب دينية في القرن الخامس؛ لتعذر على المسلمين فتح إسبانيا، ونحن نقول: لو لم يفتح العرب الأندلس، ويحمل إليهم عبد الرحمن الأموي مدنية قومه؛ لتأخرت المدنية قرونا عن الظهور في ربوع أوروبا،

2

وقد أجمع المنصفون أن العرب لو لم ينجلوا عن الأندلس لكانت حال إسبانيا اليوم أرقى مما هي بمراحل، ولا يؤمل لهذا الشعب وقد رأى من صنوف العذاب من رجال الدين ورجال الحكم، وأكلت نوابغه الحروب والاستعمار وديوان التفتيش الديني أن تنشأ له نهضة كنهضة إيطاليا في القرن الخامس عشر تنتقل منها إلى أوروبا بأسرها.

وإن المرء إذا نزل إسبانيا اليوم ليشعر ولا سيما في القسم الجنوبي منها له أنه في بلاد عربية لو كان لسان القوم العربية، ويرى كثيرا من السحنات أشبه بوجوه العرب منها بوجوه الأمم اللاتينية، وبعض عاداتهم وطبائعهم تنم عن روح عربية على سعي رجال الدين في نزعها من بينهم منذ استعاد الإسبان أرض الأندلس أواخر المائة التاسعة. لا جرم أن أربعة قرون ونصفا لم تكتف لأن تنزع من القوم ما تأصل فيهم في ثمانية قرون وتمثلوه وتمثل بهم من مدنية العرب.

ذكر بعضهم أن في الأندلس أهم آثار إسبانيا والأندلس من إسبانيا بمثابة إقليم البروفانس في جنوبي فرنسا وصقلية من إيطاليا ، وقد جمعت الأندلس جميع المحاسن والغرائب المبعثرة في طول إسبانيا وعرضها ولهجة الأندلس مائلة إلى العربية كثيرا، والاحتفالات والأخلاق قد حفظت فيها الأساليب العربية.

نعم، لا تزال تسمع في اللغة الإسبانية كثيرا من الألفاظ العربية من أسماء البلاد والأنهار والنواحي وبعض المرافق والمصطلحات وكل كلمة تبدأ عندهم بأل التعريف العربية هي عربية لا محالة ومن الأسماء ما يبدأ ببني ومنها ما يبدأ بوادي، فدخلت مئات من الألفاظ في اللغة الإسبانية، وتأصلت فيها كما دخلت البرتغالية والإيطالية والفرنسية لغات الأمم اللاتينية، وهي ظاهرة كل الظهور في اللغة الإسبانية، وأقل منها في اللغة البرتغالية، وإلى اليوم تسمع بوادي الرامة ووادي الحجارة ووادي القنال ووادي البياضة ووادي الكبير وقلعة وقليعة والرملة وقصبة وقصر ومدينة وجنة والمدور والبطاقة والقنديل والأنبيق والساقية والمنارة والربض والمسجد والربع والشمعة والفندق والمحراب ومئات غيرها أفردها علماء منهم بالتأليف.

غابر الأندلس وحاضرها · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غابر الأندلس وحاضرهاص ١٣