أخذ الإسبان عن العرب أشياء ظنوها بعد من مصطلحات أجدادهم، وبنات أفكارهم، وتأصلت فيهم من حيث يشعرون ولا يشعرون. حدثني الثقة أن أحد علماء المشرقيات من الإسبان، وهو موسيقار يحسن العربية، ويطبع الآن كتابا يثبت فيه بالأدلة التاريخية أن الموسيقى الكنائسية في القرن الثالث عشر كانت مقتبسة من الموسيقى العربية، ويخيل لمن يسمع الموسيقى الإسبانية والغناء الإسباني ويرى الرقص الإسباني أنها عربية إلا قليلا، بحيث ساغ لنا أن نقول: إذا كان الروسي شرقيا «تأوروب» واستغرب فالإسباني عربي شرقي «تأوروب» واستغرب أيضا.
ولا تزال إلى اليوم ترى كثيرا من النابهين من الإسبانية يدعون أن أصلهم عربي يذكرون ذلك مفاخرين، ويعدون ذلك من أمارات الشرف والتغني يذكرني القديم الجميل، وقد رأينا الإسبانيين في القرن التاسع عشر والعشرين نهضوا نهضة لا بأس بها للبحث عن ماضيهم أو ماضي إسبانيا الإسلامية، وصرفوا في ذلك وقتا ومالا، وتوفر على هذا العمل طائفة منهم حرصوا أجمل حرص على الأخذ من المدنية العربية؛ ليكفروا عن سيئات أجدادهم الذين عوروا بعملهم مصانع العرب وخططهم، وحرقوا ومزقوا أسفارهم وآثارهم.
أذكر مثالين من هذه النهضة يعدان في الباب الأول من أبواب تسلسل الفكر الراقي والدءوب المحمود وهو ما يقل الآن فينا بعد أن أورثنا الإسبانيين أخلاقنا وطباعنا، وإليكم البيان: قال لي الأستاذ الأب آسين بلاسيوس مدرس العربية في جامعة مجريط وأحد أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، وأنا أنظر خزانى كتبه: جمع أكثر هذه الخزانة أستاذي ريبرا، وفيها كتب كثيرة مطبوعة، وأهمها الجزازات «الفيش» التي رتبها طول حياته، وفيها أسماء ثلاثين ألف عالم من علماء الأندلس، وقد استنسخها البرنس ليوني كايتاني الإيطالي صاحب تاريخ الإسلام الكبير؛ ليطبعه في جملة ما يطبع من آثار العرب. قال: لما كنت في بلدي وجئت مجريط لأعمل مع أستاذي أحمل ما تيسر لطالب جمعه من الكتب ضممت مجموعتي إلى مجموعته في هذه الدار، ولما حانت وفاته وكان عزبا أوصى لي بكتبه على أن أشتغل بها مدة حياتي وأفتح أبوابها لطلاب الاستشراق، ثم أتركها كما تركها هو لمن أرى فيه الكفاءة للعمل بعدي أو أجعلها في إحدى دور الكتب العامة.
هذا هو المثال الأول والمثال الثاني مجموعة السنيور أوسما
Osma
ناظر مالية إسبانيا سابقا وهي من الفسيفساء والقيشاني الإسباني والسلاح والرخام والسجاد والأدوات والأواني الفضية والزمرد والأواني الخزفية والبللورية والألبسة والنقوش والتصاوير والأعمال الخشبية والنقود العربية والإسبانية ذهبية وفضية ونحاسية من صنع عرب الأندلس وصنع إسبانيا المسيحية في القرون الوسطى، هذا عدا وثائق تاريخية وسجلات من القرن السادس عشر من الآثار النصرانية، وقد بدأ بجمع هذه المجموعة عم السنيور أوسما والد زوجته وأحد أشراف إسبانيا منذ زهاء خمسين سنة، ودامت ابنته بعده وزوجها يطرسان على آثار هذه المغالي بالآثار الإسلامية والنصرانية، ولما جاءتها الوفاة أوصت بالقسم الذي جمعته في حياتها، والذي ورثته عن أبيها لزوجها السنيور أوسما على أن تدعى المجموعة كلها باسم لقب والدها، فسميت مجموعة مجمع بلنسية للدوق خوان
Justituto de Valencia de Don Juan
وصحت عزيمة الوزير الإسباني أن يضيف إلى المجموعة ما جمعه في حياته، ويجعله في دارين بناهما في أهم أحياء مجريط الحديثة فبنى الدار الأولى على الطراز الأندلسي، والثانية على الطراز المسيحي في القرون الوسطى، وكلا الدارين متلاصقان جعلت كل مجموعة في الدار التي تناسبها، فأصبحت الداران متحفا مرتبا ترتيبا علميا راقيا لمعرفة صاحبها الآن، وإشارة من يختلف إلى داره من غلاة العاديات والآثار وحملة العلوم والفنون الذين يضمهم في ناديه مرة في الأسبوع يتفاوضون الصناعات والنفائس، وقد وقف الوزير المولع بالآثار مؤخرا مجموعته البديعة، وأقام عليها خمسة من الأمناء منهم الأستاذ آسين المشار إليه، ووقف عليها مبلغا من المال لا يقل عن خمسة ملايين بستاس أو نحو عشرة ملايين فرنك بحسابنا اليوم، وأعطاها خزانة كتبه البالغة ألفي مجلد على أن تبقى مجموعته ويزاد فيها ليدرس تاريخ الصنائع والفنون في إسبانيا، وقد توخى في وصيته تنشيط الطلبة الوطنيين والأجانب على درس هذا الفرع من العلم في إسبانيا، وخص المولعين بهذا الشأن من الإنجليز ممن يصرفون مدة في مجريط لهذا الغرض يدرسون مجموعته فيعاونهم معاونة مالية، وخص من الإنكليز طلبة جامعة أكسفورد؛ لأنه درس فيها في صباه فأراد أن يعنى عناية خاصة بمن يتخرجون فيها.