تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أصبح أهل البلاد يتكلمون بالإسبانية والبرتغالية والعربية على السواء، وأخذوا بعد حين لا يتعاقدون بينهم إلا باللغة العربية، وقد وجد من عقودهم نحو ألفي صك من هذا القبيل كتبها المستعربة من الوطنيين الأصليين باللغة العربية، والعربية كانت لسان القائمين بالدولة الإسلامية هجر ما عداها في جميع الممالك، فصار استعمال اللسان العربي من شعائر الإسلام وطاعة العرب، وهجر الأمم لغاتهم وألسنتهم في جميع الأمصار والممالك التي خفقت عليها رايات الفاتحين، وصار اللسان العربي لسانهم حتى رسخ ذلك لغة في جميع أمصارهم ومدنهم، وصارت الألسنة العجمية دخيلة فيها وغريبة عنها، قاله ابن خلدون.

ولذا آلت ثلاثة قرون على بقايا الإسبانيين المتراجعين إلى الجبال الشمالية، وقد نسيت تقاليد البلاد إلا من أستوريا من الأصقاع، واضطرت الحكومات الصغرى التي اعتصمت في أقصى الشمال أن تصانع وتعاهد ولتعلم من أعدائها وهم أرقى منها نظاما ومدنية، وحكومات أوروبا الكبرى لذاك العهد تطلب رضاها وتتعلم منها وتتلطف معها حتى بلغ الأمر لعبد الرحمن الثالث الذي أشبه ملكا من ملوك هذا العصر لا ينقاد لأوهام العنصر والدين، ولا يتوقف في أمر فيه مصلحته، وتسير سياسته بحسب الأحوال، أن وجد له حلفاء من زعيم البربر إلى ملك إيطاليا إلى إمبراطور القسطنطينية، وكانت سفراء فرنسا واليونان والألمان تتوارد على قرطبة، وقد وضع هذا الخليفة حدا للحروب بين العرب والإسبانيين والبربر في الأندلس، وحصن حدود مملكته من ملوك ليون وقشتالة ونافار، واستولى بأسطوله على غربي البحر المتوسط، وبسط سلطانه على إفريقية الشمالية، فكان ميسين

3

العلوم والفنون، وحامي التجارة والصنائع، وقد أصبحت إسبانيا العربية على عهده وعهد أخلافه في القرون الوسطى أكثر البلاد مدنية وحسن إدارة. قالته دائرة المعارف الإسلامية.

لا جرم أن خلفاء الأندلس كانوا من التسامح من الكافة بالمكان الذي يغبطون عليه، ويجب التنويه به؛ لأنه لم يسبق له نظير في عصورهم عند الأمم الأخرى، فقد جاء من خلفائهم من كانوا يبيحون لدعاة النصرانية أن ينشروا دينهم أحرارا، وبلغت الحال ببعض المتحمسين منهم أن كانوا يقفون على أبواب الجوامع؛ ليتسقطوا المسلمين بالدعوة إلى دينهم، وكان عبد الرحمن الثاني عزم أن يجمع مجمعا مقدسا من النصارى برئاسة رئيس أساقفة إشبيلية؛ لقمع عادية التعصب الإسباني إذ أخذ دعاة الدين المسيحي يسبون الإسلام جهارا حتى يقتلوا في سبيل دعوتهم، وتكتب لهم الشهادة بزعمهم، ولكن الخليفة مات قبل التئام هذا المؤتمر سنة 238.

ولطالما أرخى خلفاء الأندلس العنان لخطبائهم ووعاظهم ومؤرخيهم وكتابهم يوسعون المجال لأقلامهم وألسنتهم حتى في أعمال الخلفاء، ولا يجدون منهم إلا لطفا وعطفا، ذلك الناصر كان كلفا بعمارة الأرض وإقامة معالمها، وتكثير مياهها واستجلابها من أبعد بقاعها، وتخليد الآثار الدالة على قوة ملكه وعزة سلطانه وعلو همته؛ فإنه لما ابتنى الزهراء، واستفرغ وسعه في تنجيدها، وإتقان قصورها، وزخرفة مصانعها، انهمك في ذلك حتى عطل الجمعة بالمسجد الجامع فقرعه القاضي منذر بن سعيد قاضي الجماعة بقرطبة بخطبة على المنبر أمام جمهور المؤمنين ابتدأها بقوله تعالى:

أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين * فاتقوا الله وأطيعون * واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون * أمدكم بأنعام وبنين * وجنات وعيون * إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم

ثم أفضى ذكر المشيد والاستغراق في زخرفته والسرف في الإنفاق عليه، فجرى في ذلك طلقا، وتلا فيه قوله تعالى:

أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين * لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم

غابر الأندلس وحاضرها · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غابر الأندلس وحاضرهاص ١٢