الفصل السابع
| تسامح العرب
العرب من أكثر الأمم تسامحا مع المخالفين لهم في المعتقد والجنس واللسان، ولولا تسامحهم أيام عزهم بالإسلام، لم يبق بقية من الأمم المغلوبة في بلادها محتفظة بدينها ولسانها ومقدساتها، وذلك لأن الشريعة السمحاء تقضي بالرفق والرحمة، وعدم التعرض لدين المخالفين وأموالهم خصوصا إذا كانوا أصحاب دين سماوي، ولذلك اكتفوا من أهل الأندلس بجزية
1
وتركوا لهم حريتهم، فأعجب بهم مخالفوهم؛ لأنهم حملوا إليهم سلاما، وكفوهم مئونة فتن كانت عليهم غراما، تأتي على الأنفس والنفائس، وتدك معالم الأمن والأمان.
كره العرب التعصب، ولا سيما في الأندلس، وعمدوا إلى كل تسامح معقول، فاستمالوا بسيرتهم من نزلوا من الإسبانيين والبرتغاليين حتى إنهم كانوا (سيديليو) إذا شجر خلاف بين مسلم ومسيحي من الجند يعطى الحق غالبا للمسيحي، وجعلوا أيام الآحاد أيام عطلة بدل الجمع، ورخصوا أن يتعبد كل إنسان على الصورة التي يراها، فنشأت وحدة وطنية بين الغالب والمغلوب حتى لم يكد يشعر هذا إلا في النادر وبإغراء رجال الدين أنه مغلوب على أمره فاقد لاستقلاله، واعتمد الأمويون في أكثر أيامهم على جيش من الصقالبة يشترونهم أو يأخذونهم أسرى كما كان يفعل العثمانيون بجيش الإنكشارية، وصارت لأفراد من الصقالبة حظوة عند الملوك والأمة حتى إن حبيبا الصقلبي من فتيان الأموية بقرطبة ألف كتابا تعصب فيه لقومه سماه ب «الاستظهار والمغالبة على من أنكر فضائل الصقالبة»، وربما كانت منزلة الصقالبة بقرطبة منزلة الشعوبية أعداء العرب في بغداد ولا من ينكر عليهم، ومن أثر التسامح شاعت اللغة العربية في كل أرض نزلها العرب، بل لم يمض أكثر من نصف قرن حتى اضطر رجال الكنيسة أن يترجموا صلواتهم بالعربية ليفهمها المسيحيون؛ لأن هؤلاء زهدوا في اللغة اللاتينية، ونشأ لهم غرام بالعربية، فأخذوا يتقنون آدابها، ويتغنون بأشعارها، ويكتبون فيها كأبنائها، ويعجبون ببلاغتها إعجاب أهلها بها.
وكان كثير من أذكياء الجلالقة والقشتاليين والليونيين والنافاريين - دع من كانوا في البلاد التي فتحتها العرب من المسيحيين - يتعلمون العربية، ويقصدون الخليفة الأندلسي أو أحد رجاله يستخدمون في الإدارات، وتجري على سادات الإسبان أحكام الإسلام، فيختلطون بأشراف العرب ، ومن ظل محتفظا منهم بدينه نسي مبادئه، فصار يحجب نساءه كالمسلمين ويقتدي بأزيائهم وألبستهم وعاداتهم في مآدبهم ورفاهيتهم وأنسهم، ومن المسيحيين والإسرائيليين من وزروا الأندلس لملوك المسلمين وهم مقيمون على دينهم، ومنهم من كان أبوه أو جده إسبانيا فأسلم،
2
والمسلمون لا يضنون بشيء على أهل ذمتهم يجرون عليهم الرواتب والأرزاق كما تجري على بطانتهم وأهل نحلتهم، ويؤمنون الأطباء منهم على أرواحهم وحرمهم، وشاع زواج العرب بالإسبانيات والبرتغاليات اللائي كن بجمالهن أجمل صلة لتمازج الفاتحين بخصومهم والتحام القرابات بينهم، بل إن ملوك المسيحيين على عهد توزع الأندلس بين ملوك الطوائف أمسوا يتزوجون من بنات الأمراء المسلمين؛ فقد تزوج ألفونس السادس بزايدة ابنة أمير إشبيلية، وعقد مثل هذا الزواج كثيرا، وكان عدد المتزوجات من الإسبانيات والبرتغاليات بالمسلمين وعدد المسلمات المتزوجات من الإسبانيين والبرتغاليين آخر أيام الأندلس كثيرا جدا حتى جرى لذلك كلام في الشروط التي تمت بين الغالب والمغلوب.
ومن العرب من آثر زي الإسبانيين من الملابس والسلاح واللجم والسروج وكلف بلسانهم مثل محمد بن مردنيش صاحب بلاد شرق الأندلس (561) وكثير من الوزراء كانوا يعرفون لسان جيرانهم مثل محمد بن الحاج (714) ويتشبهون بهم في الأكل والحديث، وكثير من الأحوال والهيئات.
هذا ما عمله الغالبون المسلمون من العرب مع المسيحيين المغلوبين من الإسبان والبرتغاليين، أما معاملاتهم للإسرائيليين: فكانت أيضا مما يدهش له، فأصبح لهؤلاء في الأندلس منزلة سامية في العلم والصنائع والتجارة، وكانت غرناطة في القرن العاشر تدعى مدينة اليهود؛ لكثرتهم ومكانتهم فيها.