تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عهدي بها ودمن عشرات المزارع الخربة، بما توالى عليها من نكبات الزلازل والسيول والأوبئة والمجاعات، إلى جانب ألوف الأفدنة تصبح بالدءوب حدائق غلبا، وكانت بالأمس بين مستنقع وبيل، ومرج أفيح. في الغوطة قرى كبيرة تداعب، وقرى كبيرة لم يعف رسمها، وفيها أشجار لا تعيش غير بضع سنين، وأخرى مباركة يحسب عمرها بالقرون.

همت بسحرها في سحرها، وبشمسها تأفل وراء شجرها، وراقني وابلها وطلها، ونداها وضبابها، وجليدها وجمدها، وثلجها وبردها، ودمقها وزمهريرها، نسيمها وأعاصيرها.

غنتني طيورها بأطيب الأنغام ترددها من وكناتها في جناتها، وما تبرمت الأذن بنعيق البوم ونعيب الغربان، وعواء بنات آوى، ونباح الكلاب، ونقيق الضفادع، في المظلم والمقمر من لياليها، واهتززت للديكة تصيح، والغنم تثأج، والمعيز تثغو، والبقر يخور، والخيل تصهل، والحمير تنهق.

أقبلت مرة أقلب حديقة لنا أنقي أدغالها، وأعزل صخورها وأحجارها، فنبشت على ذراعين من سطحها مقبرة فيها قليل من عظام نخرة، وكثير من خواتم وأقراط وأساور ودمالج، كانت فضتها ونحاسها وحديدها وزجاجها تتفتت لساعتها بأيدينا.

وما فرقنا بين الرجل والمرأة من نزلاء مدينة الموتى، وما بان معنا الشاب من الفتاة، ولا الشيوخ من العجائز، ولا إذا كان من لحدوا فيها مجوسا أو صابئة أو نصارى أو مسلمين، ولا إن كانوا من العرب أو السريان أو اليهود أو الروم، وغاية ما نم عليه ذاك العظم الرميم أنه بقايا أشلاء بشرية كان أربابها يهيجون ويسكنون، ويلؤمون ويبرون، ويشقون ويسعدون. وأبصرت على خطى قليلة من المدفن أثر حوض بديع شيد بالآجر والحجر النحيت، يظهر من ترخيمه أنه بناء بان صناع اليد، وانتهت إلى ديماس عميق فيه جرار عظيمة، وأدوات نشأت من مدينة كانت بنت هذه التربة الزكية، نعم بها أهلها ما قدر لهم أن ينعموا، فلما ناداهم حادي الرحيل تخلوا عن مصانعهم ومرافقهم، وغادروا ديارهم كأن لم يغنوا فيها.

أدركت أجيالا ثلاثة من الناس، وقبلي رأى الراءون ألوف ألوف الألوف، وكلهم كان شأنهم كشأننا، خلقوا على صورتنا، وركبت فيهم أحاسيسنا وغرائزنا، واستحكمت فيهم الشهوات والمطامع، وكانت لهم آمال وأحلام، نزح صالحهم وطالحهم، وراح لطيفهم وكثيفهم، وما عرفوا لم جاءوا ولا إلى أين ذهبوا، ولم جدوا وجهدوا، ولم انصرفوا على ألا يرجعوا. أما أجسامهم فقد نخرت وتبخرت، وتبعثرت ذراتها في الفضاء. وأما أرواحهم فانتقلت إلى عالم لم ندركه بالحس، ولا قدر معنا بحساب، وما علمنا عنه إلا ما أشار إليه الكتاب.

ذهب من درجوا على هذا الصعيد الطيب، تاركين ما كدحوا وجمعوا، ناسين من أحبوا وأبغضوا، وما حال دون قفولهم عطف الأمهات والزوجات، ولا بكاء الأولاد والأخوات، هلك الغني والفقير، والصحيح والمريض، والحبيب والبغيض، وناح النساء على الأعزة الذاهبين يندبون ويولولون، ثم لحق النائحات والنوادب بالصحاب والصواحب. •••

حقا إن الغوطة كانت على الأيام ساحة تحول، تحولت فيها حتى أزياء الجنسين من سكانها، فغير الرجال في هذه الحقبة لباس رءوسهم ثلاث مرات، وكذلك كان دأب النساء بملائهن.

شاطرت القوم أفراحهم وأتراحهم، وكاثرتهم في مواسمهم وأعيادهم، ورأيتهم يلبسون الخلق البالي، ورأيتهم يلبسون الزواق الحرير، ورأيتهم يطعمون طيب الطعام وأمرأه، ورأيتهم لا يشبعون من خبز الذرة والشعير، راقبتهم في سكونهم وهوشاتهم، وفي تلاتلهم ومشاكلهم، وفي سعتهم وضيقهم، وعاشرتهم وسامرتهم، على نقص محسوس في تربيتهم، أدركتهم يستعيضون عن اللبن والطين والقصب والكلس في بنيانهم بالقرميد والآجر والحجر والأسمنت، وعهدتهم يمتطون الفره من الخيل والبغال والحمير، ويحملون أثقالهم على الجمال، ويجرونها بالثيران، ثم اتخذوا المركبات والعجلات، وركبوا الدرجات والسيارات.

دمشق مدينة السحر والشعر · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دمشق مدينة السحر والشعرص ٣٧