أدركتهم تبيض الأمية وتفرخ في رءوسهم، ويعم الجهل كبيرهم وصغيرهم، وذكورهم وإناثهم، وما كانت عقول الأذكياء منهم تصل إلى أبعد من القرى المجاورة، واغتبطت أن صار بضعة في الألف من شبانهم وكهولهم يتلون الصحف والكتب، ويستطلعون طلع الأخبار، ويعنيهم النظر في المصالح العامة، ويظهرون في مظهر من يحاول مجاراة الزمن في حضارته، يستبدلون الأدوات الحديثة في الحرث والتذرية والعصر والاستخراج بأدواتهم القديمة التي جمدت على حالة واحدة لم تتبدل من عهد عاد وثمود، كل ذلك ببطء وتثاقل ليناسب اقتباسها قانون الزروع والغراس عنهم: تنمو بحرارة معتدلة وإذا سقيت سقيت بمقدار. إقليم تتصادم عناصر الطبيعة فيه بلا انقطاع، الفناء رابض أبدا إلى جانب البقاء والتبدل على قد غلوة من الاستقرار. عاينت كل هذا فرجعت بمناظر متشاكلة، ولا تزال تتكرر على مر الجديدين. لم أهتد سبيلا إلى تعليلها، ولا أدركت ولا أدرك أرباب المدارك هذا السر الدفين في صدر الليل والنهار.
هنا يبدو للعين كفاح الغوطي في كسبه ورزقه، وصراعه في سبيل شهواته وأثرته، هنا تلمح جور القوي على الضعيف، وأن الإنسان في هذه الأرجاء على نحو ما هو في كل مكان، ظالما ومظلوما، قاتلا ومقتولا، وعزيزا وذليلا.
لحظت الغوطي موسعا عليه، ولاحظته مقترا عليه، عهدته مرهقا بضروب الجبايات، وألفيته يؤدي الجباية طيبة بها نفسه، وأدركت الفقير ينوء بحمل كل عبء، والغني يكاد يعفي نفسه من أداء كل شيء.