تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا نسيما هب مسكا عبقا

هذه أنفاس ريا جلقا

كف عني والهوى ما زادني

برد أنفاسك إلا حرقا

ليت شعري نقضوا أحبابنا

يا حبيب النفس ذاك الموثقا

يا رياح الشوق سوقي نحوهم

عارضا من سحب عيني غدقا

وانثري عقد دموع طالما

كان منظوما بأيام اللقا

قال ياقوت: وبدمشق فواكه جيدة فائقة طيبة، تحمل إلى جميع ما حولها من البلاد، من مصر إلى حران وما يقرب ذلك فتعم الكل. وما برحت الغوطة مقصد أهل دمشق للنزهة والقصف، وقد أخرجت طائفة كبيرة من العلماء والأدباء في مختلف العصور، وهي في الواقع بمثابة أحياء تبعد قليلا عن العاصمة الكبرى ، ولا غنى لأبنائها عن الاختلاف إلى العاصمة كل يوم، فالاختلاط بين الغوطيين والدمشقيين متصل، يألف بعضهم بعضا ويتزوج بعضهم من بعض، والغوطية تصبح دمشقية بعد مقامها قليلا في دمشق، والدمشقية تصبح فلاحة غوطية إذا أقامت في الغوطة سنين، نقول: فلاحة، أي متمرنة على الأعمال الزراعية والأعمال البيتية التي تستلزمها حياة القرى، وفي الغوطة نزل كثير من العرب، تشهد لذلك الفصحى الباقية في لهجتهم، ومن العرب الذين نزلوها غسان وبطون من قيس، وبها قوم من ربيعة وبعض بطون من كلب، ومن بني زبيد فرقة وآل فضل والحريث من زبيد من القحطانية.

وللنواجي الشاعر في الغوطة:

ألا إن وادي الشام أصبح آية

محاسنه ما بين أهل النهى تتلى

وإن شرفت بالنيل مصر فلم تزل

دمشق لها بالغوطة الشرف الأعلى

والشرف الأعلى موضع نزه من غربي دمشق يعلو عن قرارة الوادي، وليس لك في الغوطة أن تقول هذا المكان يفضل ذاك، فكل محالها ومنازلها جميل تأخذ بمجامع القلوب، كما قال أحدهم:

أنى اتجهت رأيت ماء سابحا

متدفقا أو يانعا متهدلا

وكأنما أطيارها وغصونها

نغم القيان على عرائس تجتلى

وكأنما الجوزاء ألقت زهرها

فيها وأرسلت المجرة جدولا

ويمر معتل النسيم بروضها

فتخال عطارا يحرق مندلا

أو كما قال فتيان الشاغوري:

كأن طيور الماء فيه عرائس

جلين على شاطيه خضر الغلائل

إذا كرعت فيه تيقنت أنها

تزق فراخا وهي زغب الحواصل

وكم سمك فيه عليه جواشن

من التبر صيغت وهو بادي المقاتل

جريح بأطراف الحصا فخريره

أنين له من حس تلك الجنادل

إذا قابل النهر الدجى بنجومه

أرانا بقعر الماء ضوء المشاعل

تغلغل في الوادي فوافي كقينة

منعمة حسناء ليس بعاطل

فعانقها حتى انثنت مشمعلة

تقل على ظهر الصفا بطن حامل

يروى أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما قدم الشام رأى الغوطة، ونظر إلى المدينة والقصور والبساتين، فتلا قوله تعالى:

كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * كذلك وأورثناها قوما آخرين . ويروى أن أمير المؤمنين المأمون العباسي أقسم يوما - وقد نظر إلى أشجار الغوطة ونباتها - أنها خير مغنى على وجه الأرض، وقال: عجبت لمن يسكن غيرها كيف ينعم مع هذا المنظر الأنيق الذي لم يخلق مثله؟!

وحي الغوطة

أتى لي في الغوطة ستون سنة، تسلمني الطفولة إلى الشباب، والشباب إلى الكهولة، والكهولة إلى الشيخوخة، ولاقيت ربيعها وصيفها وخريفها وشتاءها، وما لقيت منها إلا نضرة وسرورا.

أنعشني هواؤها، وأدهشتني أرضها وسماؤها، وما فتئت منذ وعيت أقرأ في صفحة وجهها الفتان آيات الإبداع والإعجاز.

في ربوعها شهدت الطبيعية تقسو وتلين، وتغضب وترضى، وتشح وتسمح، فراعني جمالها وجلالها، وشاقني تجنيها ووصالها. نشقت أنفاس رياها وهي ترفل في زهرها ووردها، واستهوتني مجردة من ورقها وثمرها ونباتها، فأخذت بها كاسية عارية، وطابت لي مطيبة وتفلة.

تربة تقبل وتمحل، وأدواح تعمق وتثمر، وجداول تفور وتغور، وآبار تفيض وتغيض، وجو يغيم ويصحو، ودوي عبس وضحك، وهناك هناء، وهناك يسر، وهناك شقاء، وهناك عسر.

أتى الجراد غير مرة على زرعها وثمرها، وسطت الحشرات على خضرها وشجرها، وأحرق الصقيع حبوبها وفاكهتها، وعدا الموتان على دواجنها وماشيتها، وطغى الماء على أدنى بقاعها، فأودى بما أنبتت وبسقت، وعادت هذه الأم الرءوم تدر على أبنائها لبنا سائغا، وتفيض عليهم من عطفها وحنانها كل جميل.

دمشق مدينة السحر والشعر · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دمشق مدينة السحر والشعرص ٣٦