تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هنالك ساحات اقتصادية تتآزر فيها بعد الحرب الجماعات القاطنة في هذه الديار والجماعات الذين يوافونها، فما على السوريين إلا أن يأخذوا أهبتهم للنزول إلى تلك الساحات، وإذا نزعنا الروح الفردية التي تأصلت فينا، وتقمصنا روح التعاون في الأعمال الصناعية الكبرى، يضعف تأثير الجماعات التي ستغذو المرافق الحيوية، مستندة إلى نظام تعاوني مستمد من أقوى النظم المالية القائمة على مبدأ المنافع المشتركة، فالمال قوة وأقوى ما فيه حسن القيام على تصريفه في وجوه الأعمال المستندة إلى نظام قويم.

أصبحت الثروة العامة موزعة بين الجميع في هذه الحروب، فالمنتجات الزراعية ومكاسب أصحاب المتاجر والأعمال الحرة هي في الجملة على غير ما كانت عليه قبل الحرب، ومتى صارت الأموال إلى اليد التي تحسن القيام عليها لا تعمد إلى دفنها وهاجة تحت الأرض أو حبسها في صناديق مقفلة، فإن الانتفاع بها يعم جمهرة الشعب وعامة طبقات الأمة. إن دمشق تتمتع بعد أن مضى على الحرب خمسون شهرا بأكثر ما تحتاجه من غذاء وكساء، لم يعدم فيها إلا ما لا بال له، ولئن تصاعدت قيم أكثر الحاجيات، فذلك ناشئ عن أن مستوى المعيشة العامة قد ارتفع جملة، وارتفعت معه النسب في الأشياء المنقولة وغير المنقولة، والمقياس في أزمنة الحروب هو وجود الحاجيات الضرورية أو عدم وجودها، والفضل في ذلك لدمشق وللمنتج الدمشقي، وللتاجر الذي خاطر بماله ونفسه لتموين بلده، وللحلفاء الذين مونوا هذا البلد، وخاصة في الأيام التي كانت فيها أمواج البحر المتوسط تتلاطم بالدماء.

| غوطة دمشق

لا بد للباحث في دمشق أن يعرض الكلام على غوطتها، فالغوطة ودمشق لازم وملزوم، ومعنى الغوطة من الغائط وهو المطمئن من الأرض، والغوطة ما أحاط بدمشق من بساتين وقرى، وسقي على الأكثر بمياه بردى ومشتقاته. يبدأ حدها من فوهة الوادي عند الربوة غربا، ممتدا إلى المزة وداريا وصحنايا والأشرفية وسبينة وسبينات في الجنوب، وينتهي في الشرق بالريحان والشفونية وحوش مباركة وحوش الأشعري وحوش المتبن وحوش خرابو والفضالية والنشابية وبيت نايم، وينتهي في الشمال بجبل قاسيون وسنير، ويشرف الجبل الأسود وجبل المانع على الغوطة من الجنوب، كما يشرف عليها جبل الثلج أو جبل الشيخ من المغرب، ويحدها شرقا إقليم المرج، ومن هنا تفتح حدودها فتحة طويلة حتى الحماد أراضي بادية الشام. ويقدر طول الغوطة بنحو عشرين كيلومترا تقريبا، ويختلف عرضها بين عشرة وخمسة عشر كيلومترا، وتبلغ مساحتها نحو 40600 هكتار أي نحو خمسة وستين ألف فدان بفدادين الغوطة، أو نحو مائة ألف فدان مصري، ومدينة دمشق داخلة في هذه المساحة، وتحتوي الغوطة على اثنتين وأربعين قرية عدا الحدائق والبساتين المحيطة بها، وهي يتألف منها عشر قرى كبيرة.

وفي الغوطة قرى كالمدن مثل دومة وحرستا وعربيل وجوبر وداريا وكفر سوسية والمزة، ومجموع نفوسها لا يقل عن مائة ألف نسمة، وتربتها أجود تربة تسمد كلما أرويت؛ لأن أنهارها تدخل دمشق وتحمل قاذوراتها، وهذا مما يعاون على خصبها وإمراعها. وفي الغوطة تجود جميع الحبوب والبقول وعامة الأشجار المثمرة، ما خلا النخيل والحوامض بسبب برد الشتاء، والغوطة تمون دمشق، ومنها أكثر مادة حياتها، ولولا الغوطة ما كانت دمشق.

وهي في مجموعها من أجمل متنزهات العالم بما حبتها به الطبيعة من جمال أشجارها وخصب أرضها، لا تتعب من إخراج خيراتها صيف شتاء، واشتهرت فاكهة الغوطة بلذيذ طعمها وعجيب نكهتها؛ فكمثراها ودراقها ومشمشها وتفاحها وسفرجلها وأعنابها مضرب الأمثال، قال الصلاح الكتبي: وروي عن بعضهم أنه اتفق أن مر يوما ببعض شوارع القاهرة، وقد ظهرت جمال كثيرة حمولتها تفاح فتحي من الشام، فعبقت روائح تلك الحمول فأكثر التلفت لها، وكانت أمامه امرأة تسير ففطنت لما داخله من الإعجاب بتلك الرائحة، فأومأت إليه وقالت: هذه أنفاس ريا جلقا، وهذا الشطر من أبيات لطراد بن علي الدمشقي المعروف بالبديع، اشتهرت وغنى بها المغنون وهي:

دمشق مدينة السحر والشعر · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دمشق مدينة السحر والشعرص ٣٥