وما شاع نبأ الحرب حتى سارعوا يطلبون إلى عملائهم ووكلائهم في وكوبا ومانشستر ونيويورك أن يبذلوا قصارى جهدهم في شراء ما يقع تحت أيديهم من البضائع، مطلقين لهم العنان في غشيان الأسواق العالمية كيفما اتفق لهم السعر والشروط، وعندما دخلت اليابان الحرب، وانقطعت البواخر التي كانت تجوب البحار إلى شواطئ الشرق الأدنى، أخذ السوريون بعد أن نزل الحلفاء أرضهم يولون وجوههم شطر مرافئ الهند الجنوبية، جاعلين من بومباي دار هجرة تجارية، يحملون منها عن طريق الخليج الفارسي أولا وقناة السويس ثانيا، ما تمس حاجتهم إليه من خيوط وأنسجة ومواد غذائية، فما عضتهم الحرب بقلة كما وقع لهم في الحرب الماضية، وأحسنوا الاستفادة من كل معاونة يعاونها البريطانيون في كل بلد ينزلونه.
مضى العام الأول والعام الثاني من أعوام هذه الحرب ودمشق خائفة، كأنما تعيش بين أجفان الردى وهي يقظانة نائمة، فلم يتسع لها طريق العمل بشيء يتفق مع ميراثها الصناعي، وفي الأعوام التالية أخذت قدرتها على الإنتاج تزيد، وكانت في زمن السلم تطغى عليها المصنوعات الخارجية، والأعمال وليدة الحاجة وربيبة الضرورات. ولما كان الشعب السوري تجاريا بالفطرة، والمغامرات في دمه وروحه، فقد تقلب في تجارته خلال هذه المدة صاعدا وهابطا، فإذا نبئ بما يشعر بطول الحرب، ترتفع عنده الأسعار، وإذا ثبت له قصرها، تهبط وتتدنى.
وذهبت دمشق في هذه الفترة بقيادة الحركة الاقتصادية، وأخذت تعين الاتجاه هبوطا وصعودا وحركة وجمودا، ومنها ينتقل هذا الاتجاه إلى كبريات المدن والحواضر، فهي أذن تستمع لكل ما يحمله الأثير من نبأ تقلب فيه الفكر، وتحكم به على الغاية، ولولا تقلب أسعار النقد الذهبي وارتباطه بقلوب أبناء هذه البلاد الذين يؤمنون به إيمانا أوحت به الأعوام الخالية، لما اختلفت الأسعار وارتدت التجارة طابع المضاربات البعيدة عن الطريق السوي.
إن طبيعة الحرب توفر الرزق لأصحاب الحظوظ الذين تواتيهم الأحوال أكثر مما توفره للمفكرين الذين يستخرجون النتائج من المقدمات، والتجارة في الحرب تتمشى مع المغامرات أكثر مما تسير بالحزم والأخذ بالأحوط. وساعدت المناسبات أصحاب اليد الأولى من المستوردين، فكان نصيب مدينة بيروت تتلوها مدينة حلب أوفر قسطا في الحول على المنافع الرئيسة، بالنظر لوقوف تجار هذين البلدين في طليعة الفئات المستوردة والمدخرة، ويأتي حظ دمشق وأخواتها بقية المدن السورية في المؤخرة؛ لأن العاملين في تجارة هذه المدن يستبضعون على عادتهم من أصحاب المتاجر القاطنين في الثغور والمرافئ.
نحن على مثل اليقين بأن البلاد السورية سترتدي بعد الحرب الطابع الصناعي أكثر من الطابع التجاري الذي كانت ترتديه قبلها، فيه بلا شك ستقيم المعامل الصناعية على اختلاف أنواعها متى توفرت لها الأسباب ولان لها الحديد الذي يستعصي عليها وجوده اليوم، وهي كبيرة الأمل في الحصول على المواد الأولية التي تستلزمها الصناعات، متى تهيأت الأسباب للقائمين بالأمر أن يستنبتوا الأرض حق الاستنبات، ويعدنوا المعادن المركومة في أحشائها، وتتعاون في القطر القوى الثلاث: القوة الإنباتية والمعدنية في أرضه، والقوة الفكرية في سكانه، والقوة اليدوية التي خصها الله بالإبداع، وأجرى لهما ما أجرى من حسن الذوق، فإذا ما تم لهذا القطر أن يكون وحدة اقتصادية، ففي مائه وهوائه وتناسق فصوله قوة كامنة تأتي بالعجب العجاب.
خرجت البلاد من الحرب الماضية وفيها القناطير المقنطرة من الذهب الذي دعت إلى إنفاقه الضرورات العسكرية، وما أسرع ما أضاعت بعد تلك الحرب ثروتها الأصلية والفرعية، فكانت أشبه بأم توفي عنها زوجها، فترك لها مالا ولم يترك لها عقلا يدبره ويحسن القيام عليه، فإذا قدر لهذه الأرجاء أن تعتبر من الماضي - وقد رزقتها هذه الحرب ما لم تكن تحلم به من مال أنفقته فيها الجيوش الحليفة، فارتفعت نسبة الأموال المتداولة إلى حد لم تبلغه في عهد من العهود - فإن مستقبلا مليئا بالآمال الجسام ينتظرها، فتتبوأ عرش الاستقلال الاقتصادي الذي فقدته دهرا طويلا.