تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ودعت الحاجة خلال الحرب الأخيرة وبعدها إلى إدخال صناعات جديدة أو إتقان صناعات كادت تفقد منها لقلة من يرغب فيها.

وإنا رأينا اليوم ما قام من معامل النسيج والحياكة، وما شاهدنا من معامل الجوخ والدباغة والخزف والأسمنت المسلح وحفظ البقول والثمار وصنع المربيات والحلويات، وغير ذلك من الأعمال التي برز أربابها فيها على ما شهد لهم بذلك أعاظم العارفين بهذه المسائل في بلاد الغرب؛ إنا وقد رأينا هذا فلا يصعب علينا أن ندعي أن دمشق تخرج الآن جميع حاجياتها من مأكول وملبوس ومسكون ومفروش، وإذا اضطرت ذات يوم إلى الاكتفاء بما تخرج وما تصنع، لا ينقصها غير بعض الكماليات، وكل بلد مهما بلغ من رقية ينقصه شيء أو أشياء تجود عند جاره، ولا غضاضة عليه إذا قايض عليه بما يستخرجه مما تفرد هو بصنعه.

وبعد، فقد عرفت الشام في معظم عصورها بأنها بلاد صناعية أكثر منها تجارية، وكانت مدينة دمشق تفخر بأنواع من الصناعات اليدوية النفيسة، حتى في الأسواق العالمية، ومنها المصنوعات الحريرية والقطنية والصوفية التي كانت موادها الأولية من منتجات القطر، وكذلك المصنوعات الخشبية والنحاسية والفضية والجلدية التي عرفت بطابعها الشرقي وبسلامة الذوق والمتانة، ثم تطورت الصناعة بعد الحرب العالمية الماضية تطورا يدعوا للتفاؤل بأحسن النتائج، وكانت السباقة لهذا التطور مدينة دمشق؛ إذ تطلع أهلها إلى إنشاء صناعات آلية «ميكانيكية» مختلفة لم يكن الشرق الأوسط يعهد نظيرها، كصناعة الأسمنت والثقاب «الكبريت» وحفظ الفواكه والخضروات وصناعة الجوخ والحرير بأنواعه، وأصبحت هذه المعامل على حداثتها تضاهي بإنتاجها الصناعة الغربية التي هي من نوعها . كما أنشئت في حلب مؤسسة لصناعة خيوط الغزل ونسجها، كانت عاملا قويا في إحياء مساحات واسعة من الأراضي بزراعتها من القطن الأميركي أو الهندي، وتبع ذلك في دمشق وحلب بالإضافة إلى الصناعات المار ذكرها، وخصوصا صناعة النسيج الحريري التي نمت نموا مطردا، تبعها صناعات التريكو والجوارب والقمصان والكتان والمستحضرات الكيماوية الصناعية والأدوية والمستحضرات الصيدلية والمستحضرات الغذائية والمعكرونة والبسكويت والزبدة والسكاكر والشوكولاتة، والمصنوعات الحديدية والتلبيس بالمعادن والمرايا السكب والبلاط والجبس والدباغة الفنية والصباغة والمطاحن والطباعة والفرش «الموبيليا».

إن التجدد الذي أدخلته دمشق على صناعتها في غضون عشرين عام - رغم العقبات التي لاقتها بسبب الحواجز الجمركية، ونكبتها بثروتها من جراء خسارتها بالنقد الأجنبي في سنة 1920، والأزمات الاقتصادية التي توالت وأثرت في التجارة والزراعة والأراضي والعقارات - لجدير بإعجاب المنصفين، ولو أن الحكومات التي تولت الحكم في الشام اهتمت قليلا بالمشاريع الصناعية وشجعتها وحمتها، لحصلت البلاد إبان هذه الحرب الضروس على ما يمكن الحصول عليه من الرخاء والتوازن الاقتصادي في الإنتاج الصناعي، كما هي الحالة في بعض الأقطار المجاورة، على أن الوقت لم يفت والأمل معقود على مستقبل يقوم على استقرار يضمن ازدهارا اقتصاديا، فتنمو صناعاتها وتجارتها وزراعتها، وينعم أهلها بثروات القطر الطبيعية الكامنة التي لا تسمى ثروة لنا إلا إذا أثبتنا مقدرتنا في استثمارها.

| تجارة دمشق

كان سكان هذا البلد بما فطروا عليه من ألمعية وذكاء قبل أن يدوي في أرجائه نبأ هذه الحروب، يسمعون حسيسها وينظرون إليها كأمر واقع، فأعدوا عدتهم لمواجهتها، ومنذ انقطعت العلاقات التجارية بين اليابان والولايات المتحدة أواخر عام 1938، زادوا في مستورداتهم بقدر ما تصل إليه قدرتهم من مال وجهد، وبقدر ما تمكنهم الاعتمادات الممنوحة لهم في البيوت المالية والمصارف الأجنبية، داخل البلاد وخارجها، مستفيدين من الدروس الاقتصادية التي ألقتها عليهم الحرب الماضية بين عام 1914 و1918، فما جاءهم أيلول عام 1939 إلا كان عندهم وعلى أرضهم من مختلف أنواع البضائع والسلع التي تشتد الحاجة إليها ما يعد كثرة تضيق بها محال التجارة ومستودعاتها وأنابر الجمارك.

دمشق مدينة السحر والشعر · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دمشق مدينة السحر والشعرص ٣٣