وكان أرباب الصناعات في القديم يجزئهم ما يستخرج من حديد البلاد، ومن النحاس تعمل أواني البيوت كالقدور والمغارف والأطباق والمناقل والدلات «أوعية القهوة» والطسوت والصواني والصحون والصحاف والمصافي والملاعق والسطول والمساخن والهواوين والمدقات وغير ذلك. وقد أنشئت أوائل هذا القرن معامل لصنع أواني النحاس المكتب والمعرق، ومنها الزهريات والمصابيح والثريات والتعاليق والكئوس والمباخر والقماقم والصحاف والبواطي وبعض أدوات الزينة، فراجت رواجا عظيما في الممالك الأجنبية، وتنافس أرباب الذوق في اقتنائها ، ومنها ما يعمل بالمينا، ومنها ما يعمل بالفضة وهي على غاية الإبداع.
واشتهرت هذه العاصمة قديما بالزجاجة «صناعة الزجاج»، وكان يضرب المثل بصفائه، ويتخذ للزخرفة والزينة، ومنه الأكواب والآنية على اختلاف ضروبها، والأباريق والجامات والسكرجات والمضخات والأقداح والقوارير والكيزان والبواطي، كانت لها معامل مهمة في دمشق، وفي الحرب الأخيرة أخذت معامل الزجاج تصنع الكئوس والفناجين وزجاجات المصابيح وصراحيات الماء وغيرها، وراجت رواجا كثيرا، واستغنت بما صنعت عن مصنوعات تشيكوسلوفاكيا وغيرها، وكانت معامل الزجاج ممتدة على طول الجامع الأموي، رآها الرحالة بوجيبوجي سنة 1346م، ويظهر أن البنادقة توصلوا إلى سر هذه الصناعة في القرون الوسطى وأنشئوا يخرجون أنواع الزجاج، ومنها المرايا التي بطل عملها بعد ذلك هنا، ثم أخذ بعضهم بآخرة يقلد المرايا المصنوعة في الغرب فتباع لرخص أثمانها.
وزهد أرباب هذه الصناعة في صنعتهم، لما بدأ الغرب يخرج المصنوعات الزجاجية رخيصة الثمن بديعة الشكل، ومن قبل كانت المصنوعات الزجاجية من عمل البلاد رائجة، وتعلقت الهمم قبل الحرب العالمية بتأسيس معمل للزجاج، وأخرج مصنوعات جميلة وحال الاختلاف بين المساهمين دون سيره، كما كانت اتجهت النية إلى تأسيس معمل للسكر فحال رخص أثمانه دون المضي في إنشاء معمل لاستخراجه.
كان يعمل من الخزف القلل والخوابي والإجانات والدوارق وأصاصي الزهور وغيرها، ويعمل القاشاني لرصف الجدران والمحاريب والحمامات والفساقي والسلسبيلات والباذهنجات والقماقم والزهريات وغير ذلك، ويظهر أن سر صناعة القاشاني فقدت من دمشق منذ قرنين بانقراض البيت الذي كان مستأثرا بصنعه.
وفي القرن الأخير نشأت صناعة جديدة كأنها أخت القاشاني القديم، وهي الخزف الملون يتخذون منه بلاطا للدور والغرف والمستحمات، وقد تفننوا في صنعه فأجادوا، وله معامل كثيرة، وله رواج في الأقطار المجاورة لمهاودة أسعاره وجماله وصلابته، وبه استعيض في أكثر العمائر الجديدة عن الأحجار الملونة في التبليط وعن رخام إيطاليا. ومما اشتهرت به دمشق صناعة الصياغة، أي صناعة الذهب والفضة، والتفنن في تصويرها بوضع الأحجار الكريمة خلالها، تعمل منها الأكلة والتيجان والأقرطة والشنوف والخواتيم والدمالج والقلائد والأطواق والخلاخل، ولما كسدت مصنوعاتها هنا جلا كثير من صناعها إلى بلاد أخرى، ومع هذا لا يزال ما يخرج الصياغ على اختلاف أسمائه وأشكاله وأحجاره رائجا مقبولا، ويتوقف رواج هذه الصناعة على تكاثر النقد من الذهب والفضة في الأيدي وتوفر أسباب الغنى.
ومن أهم الصناعات صناعة البناء والنحت، ومدارس القرون الوسطى في دمشق مثال بديع على ما نحت ورصف، وقد ساعد على تجويد البناء تعدد مقالع الحجر بالقرب من المدينة، وتسلسل صناعة النحت والبناء والهندسة في بيوت بعينها، ولما اخترع الأسمنت المسلح بدأ القوم يعتمدون عليه في البناء أكثر من الجبس والكلس والآجر، فأنشئ لصنعه معمل في ضاحية المدينة، وثبت أن مادته قوية جدا، وهو يقوم بحاجة البلاد الداخلية.
هذا إجمال حال الصناعات بدمشق، وغالبها تتبدل عليها أيدي الصناع من الواحد بعد الواحد إلى أن ينيف على عشرة صناع حتى يتم، وقد قيل إن صناعات دمشق تبلغ نحو 340 صنعة وحرفة. ولا تزال تحدث صناعات وتموت صناعات، فمن الصناعات التي أحدثت خلال الحرب العالمية الأخيرة حفظ الثمار والبقول في علب «كونسروا» وقد أنشئ لها معمل في دمشق، وصادراته تباع في بلاد العرب وبلاد الغرب، وسبب الإقبال عليه جودة ثمار دمشق ولذيذ طعمها. ومن الصناعات المهمة التي دثرت ولم يعد يعانيها أهلها منذ زمن طويل الوراقة أو صنع الورق، وكانت لها معامل في دمشق منذ القرن الثاني، وقد تعلم صنع الورق في دمشق أسيران فرنسيان على عهد الحروب الصليبية، ونشرا هذه الصناعة في فرنسا ومنها انتقلت إلى أوربا، وكان العرب حملوا سر هذه الصناعة معهم منذ أوائل القرن الثالث إلى الأندلس وصقلية، ومن هاتين الجزيرتين كانت أوربا الوسطى والغربية تستبضع ورقها قرونا. ومن الصناعات التي كان لها شأن عظيم في دمشق ويعيش بها خلائق، وذلك قبل اكتشاف النفط «البترول» واختراع الكهرباء، صناعة صب الشمع وسكبه وقل من يعنى بها اليوم، وكانت تصنع في دمشق الشموع العظيمة التي تجعل على جوانب المحاريب في المساجد العظيمة كأنها سارية من السواري، وفي دمشق كانت تصنع شموع الحرمين الشريفين وتحمل إليهما كل سنة. ومن الصناعات التي ضعفت لقلة ما يصدر منها صناعة عطر الورد، وما يستقطر من زهر دمشق، فهذه الصناعة كانت تصدر مقادير كبيرة منها إلى الصين والهند في القرن الثامن، وقد ذكر شيخ الربوة في كتابه «نخبة الدهر في عجائب البر والبحر» ما كانت تغل به هذه الصناعة من مال، وما تنشره في موسم الزهر من الروائح الزكية في أماكنه بعد استخراج روحه، ووصف صورة استقطارها والأنابيق التي تستخدم لها.