وكان في القرن الأخير المصلح شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية، والحافظ البرزالي، والحافظ المزي، والحافظ الذهبي، وجاء رجال برزوا في التاريخ والعلوم الفلكية والرياضية والطبيعية، مثل ابن كثير، وابن فضل الله العمري، والصلاح الصفدي، وشيخ الربوة، وابن مفلح، وابن شاكر، وابن الشاطر الفلكي، ومحمد بن إبراهيم المهندس، والخطيب جلال الدين القزويني، وسليمان بن داود الطبيب. وبدأت طلائع الانحطاط في العلم والأدب في القرن التاسع وما بعده، ومع هذا ما خلت دمشق في دور من الأدوار من أعلام يشار إليهم بالبنان في جميع العلوم الدينية ومعظم العلوم الأدبية والمدنية، ومن المشهورين ابن قاضي شهبة، والحسباني، وابن عربشاه، ويوسف بن عبد الهادي، وهؤلاء اشتهروا بالتاريخ، وإبراهيم البقاعي، وأحمد الطولوني المهندس، وابن الجزري المقري، والبدر الغزي المؤرخ، ومحمد بن علي بن طولون المؤرخ، وعائشة الباعونية المحدثة الشاعرة صاحبة التأليف، والنجم الغزي المؤرخ، وأحمد بن سنان القرماني المؤرخ، والحسن البوريني، وابن الشاهيني، والصفوري، وابن الحكيم الصاحب، والشاعران المنجكي والكيواني، وحامد العمادي، وأحمد المنيني، والمحبي، والمرادي، وعبد الغنى النابلسي، وكمال الدين الغزي، ومحمد العطار صاحب الرسائل بالفنون الحربية والفلك والرياضيات، ومحمد عابدين صاحب الحاشية في الفقه، وعبد الغني الميداني الفقيه النظار، ومحمد الطنطاوي، وميخائيل مشاقة، ومحمود الحمزاوي، وطاهر الجزائري، ورفيق العظم، وجمال الدين القاسمي، وعبد الرحمن شهبندر، وتوفيق طارق المصور المهندس، وغيرهم.
وهبت دمشق بعد انتشار القانون العثماني سنة 1908 وتمتع العناصر العثمانية بحرياتهم، تريد أن تستعيد بالعلم سالف مكانتها، وتستمر في تخريج رجال ممتازين على ما كانت في سابق العصور، فتعلم مئات من أبنائها العلوم العالية في ديار الغرب، ولا سيما في فرنسا، فجاء منهم نوابغ في الطب والحقوق والتعليم والهندسة والزراعة والكيمياء وغير ذلك، ومنهم من وضعوا الرسائل والكتب التي لا تقل عن كتب المصريين المحدثين، وأما العلوم الدينية فأرادوا إحياءها فأسسوا بأنفسهم عدة مدارس تعلمها على الطرق الحديثة في الجملة، ويرحل طلاب الاختصاص إلى القاهرة يتلقون في الأزهر ودار العلوم والجامعة ما ينقصهم من علوم الدين وغيرها، وفي أحيائنا طائفة كبيرة من الرجال الذين تعلموا وعلموا في مختلف العلوم والفنون والصناعات، حتى قال هريو: «لقد أصبحت دمشق بفضل همة علمائنا «علماء فرنسا» مركزا علميا من الطراز الأول بمكانتها».
والتعليم في دمشق منتشر كثيرا، ويقل فيها الأميون، وفيها مدارس مختلفة الدرجات، وجامعتها السورية هي الجامعة الوحيدة في العالم التي تدرس الطب باللغة العربية، وقد رسخت العربية خطابة وكتابة وشعرا في العهد الأخير رسوخا لا عهد لها بمثله منذ أجيال، والفضل في ذلك للمدارس والجوامع والمعابد والصحف، ولرخص الكتب والمجلات.
الفنون الجميلة
نشأت الفنون الجميلة بدمشق في زمن يصعب تعيينه، وكانت الأمم التي استولت زمنا طويلا على هذه العاصمة كاليونان والرومان من أقدم الأمم التي أتتها بموسيقاها، ولما انتشرت النصرانية في القرن الثالث الميلادي عني منتحلوها بالموسيقى في كنائسهم عناية اليهود بها من قبل في بيعهم.
وكانت موسيقى العرب لأول أمرهم إلى السذاجة شأنهم في معظم أوضاعهم، فلما جاءوا هذه العاصمة أخذوا من موسيقى الروم ومن موسيقى الفرس، وتوسعوا وأجادوا حتى قال بعضهم: ولم تكن أمة من الأمم بعد فارس والروم أولع بالملاهي والطرب من العرب.
والغناء العربي في دمشق قديم منذ كانت غسان وتنوخ فيها، وكان غناؤهم الإنشاد والترنيم والحداء، وكان التقليس - وهو الضرب بالدف والغناء - مما يعمد إليه في استقبال الولاة عند قدومهم المصر، وحدثنا التاريخ أن بعض خلفاء بني أمية وأمراءهم وساداتهم في دمشق وضعوا ألحانا وأولعوا بالموسيقى والغناء، ومنهم عمر بن عبد العزيز، فإنه دونت له صنعة في الغناء أيام إمارته على الحجاز، وكان أحسن خلق الله صوتا، ومنهم يزيد بن عبد الملك والوليد بن يزيد، وما زالت الموسيقى والغناء ينتشران والدمشقيون يزدادون غراما بهما كلما ارتاحوا وارتاشوا، وكان لهم في كل قرن أناس مشهورون ممتازون، ولكن التاريخ أغفل نقل أخبار هذه الطوائف من الناس، ذكروا أنهم تفننوا كثيرا في الإيقاع والآلات، ومنهم من عمل أرغنا، وهو غير الذي عرفه الإفرنج، يعمل من ثلاثة زقاق كبار من جلود الجواميس يضم بعضها إلى بعض.