ومعاوية أول من وضع الكتاب والكتب لتعليم كلام العرب، وأول من أنشأ بيت الحكمة. وانتشر العلم على عهد عبد الملك بن مروان، وكان من أوعية العلم ومن بلغاء العرب كسائر أهل بيته، وكان متسعا في المعرفة والتصرف في فنون العلم والفصاحة، وكان «سنان قريش وسيفها رأيا وحزما، وعابدها - قبل أن يستخلف - ورعا وزهدا»، وهو الذي نقل الدواوين إلى العربية، وكانت بالرومية في الشام، وبالقبطية في مصر، وبالفارسية في العراق، وهو أول من أحدث ضرب الدنانير والدراهم في الإسلام.
وشعراء هذا القرن في دمشق من أصل عربي، ومنهم من كان يفد على بني أمية ويرحل بعد مدة، ومن الشعراء الأخطل ونابغة بني شيبان، ومن العلماء أبو الدرداء القاضي، وهشام بن إسماعيل أول من أحدث رواية القرآن بدمشق، وأبو إدريس الخولاني وبشر بن الوليد الأموي، كان يقال له عالم بني مروان، «وكان خالد بن يزيد بن معاوية خطيبا شاعرا وفصيحا جامعا، وجيد الرأي كثير الأدب، وكان أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء»، ولقبوه بحكيم آل مروان وعالم قريش، وهو الذي زهد في الخلافة وعشق العلم، وأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونانيين ممن كان ينزل مصر وقد تفصح بالعربية، وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي، وهو أول من أنشأ خزانة كتب في الإسلام، والأرجح أنها كانت في دمشق، وأمر عمر بن عبد العزيز بنقل كتاب أهرن بن أعين في الطب إلى العربية، وكان فيها روح بن زنباع ورجاء بن حيوة من رجال العلم والسياسة، وغيلان بن مروان أول من قال بالقدر. ومن علمائهم في القرن الثاني والثالث مكحول، وعبد الله بن عامر أحد القراء السبعة، ويحيى بن يحيى الغساني، ويحيى بن الحرث الزيادي المقري وعليه دارت قراءة الشاميين، والوليد بن مسلم، وصعصعة بن سلام كان أول من أدخل علم الحديث إلى الأندلس، ومحمد بن الوليد الزبيدي، وأبو الحكم، وابن أثال، وعيسى بن حكم، وتياذوق، وهؤلاء الأربعة أطباء، ونشأ مثلهم من النقلة فانتقلوا في القرن الثاني إلى العراق، وهناك ظهرت خدمتهم للعلم واللغة العربية، وواضع أساس الكتابة بالعربية عبد الحميد بن يحيى الكاتب وعشرات كانوا على طريقته في الكتابة.
وقام في القرن الثالث والرابع والخامس أمثال هشام بن عمار خطيب دمشق وقاريها وفقيهها ومحدثها، وأبو مسهر عبد الأعلى الغساني، وأبو زرعة الدمشقي، ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وعمر بن حسن الخرقي، وعبد الله بن عطية المقري الدمشقي المفسر، كان يحفظ خمسين ألف بيت من شعر العرب في الاستشهادات على معاني القرآن واللغة، ومحمد القيسراني المهندس، وأبو يعلى التميمي المعروف بابن القلانسي المؤرخ، وعلي بن داود الداراني الخطيب.
وجاء في القرن السادس والسابع والثامن أيضا رجال في علوم الدنيا والدين خلدوا لهم ذكرا مؤبدا، وكان في دمشق أيام صلاح الدين ستمائة فقيه يعطيهم من صدقاته. ومن الأطباء والمهندسين يحيى البياس، ومحمد بن أبي الحكم، وابن النقاش، وابن البذوخ، وابن المطران، وعبد الكريم الحارثي المهندس، وعلي بن غانم، والحافظ بن عساكر محدث الشام ومؤرخها صاحب التاريخ المشهور، والحسين الأسدي مسند دمشق، وابن الخياط، وطراد بن علي، وابن منير، وابن عنين، والوأواء، وعرقلة «حسان بن نمير»، وابن نمير العقيلي، وهؤلاء من كبار الشعراء. ومن المهندسين إبراهيم بن غنائم، ومن المؤرخين ابن خلكان، وابن أبي أصيبعة، وأبو شامة، وسبط ابن الجوزي، ومن العلماء المفننين عبد المنعم الجلياني، وعز الدين الإربلي، وشمس الدين الخويي، ورفيع الدين الجيلي، وشرف الدين الرحبي، والدخوار، واللبودي صاحب دار الهندسة، وعلي بن أبي الحزم، وابن النفيس، وابن المؤيد العرضي، والدولعي الخطيب، وابن الساعاتي الشاعر، وفتيان الشاغوري الشاعر، والحافظ الزملكاني، والحافظ اليلداني. ونبغ كثير من المحدثات الدمشقيات ضاهين بعلو السماع الرجال، ومنهن من جمعن إلى الحديث علم الأدب وقرض الشعر.