تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي القرن السادس كثر الموسيقيون والطنبوريون والقانونيون، وظهر نوابغ في هذا الفن.

وفي القرن الثامن نبغت غير واحدة من المغنيات، وما خلت هذه المدينة من عوادة وطنبورية وكراعة وربابية وصناجة ورقاصة، وكان الخلفاء العظماء يتنافسون فيهم ويفضلون عليهن وعلى كل صاحب معرفة بهذا الصنف، ومن الرجال والنساء من كانوا يمارسون هذه الصناعة للتكسب وهم المحترفون، ومنهم من يولع بها حبا بها وهم الهواة.

وأدركنا الدمشقيين لا تخلو سهرة من سهراتهم ولا نزهة من نزهاتهم ولا فرح من أفراحهم من موسيقيين ومغنين وأحيانا مغنيات، وما كان بعض أرباب المظاهر يستنكفون من رفع أصواتهم بالإنشاد والغناء، ولا من الضرب على العود والطنبور والقيثارة.

وفي العهد الأخير اقتبست الموسيقى فنونا من الموسيقى الغربية، وكادت دمشق في موسيقاها وغنائها تكون عالة على مصر تقتدي بها، مع ذلك بقيت لها بقايا خاصة بها، وما برح للموسيقى والإنشاد عند بعض أرباب الطرق شأن عظيم كشأنهما منذ القديم وإلى اليوم في الكنائس والبيع عند أهل النصرانية جميعا.

أما فن التصوير فالعرب كانوا فيه عالة على الروم والرومان، والإسلام لأول أمره شدد في التصوير، ولما ذهبت الخشية من عبادة الصورة أخذ التصوير ينتشر في البلاد الإسلامية، وقد صنعت الصور في دار مروان بن الحكم وسعيد بن العاص، وكل منهما ولي إمارة المدينة وكانا من التابعين، مما دل على أن التصوير كان شائعا منذ عصر الصحابة، وكان للخلفاء في قصورهم صور وتماثيل، ولم يحظروا بادئ بدء إلا تجسيم الصور الآدمية، وعمدوا إلى التصوير في الكتب والثياب والجدر بكل ما يغري ويفتن، وكانوا على كل حال مقلين من صور الآدميين، وقد ظهر في مصر في عهد الأيوبيين والمماليك مصورون شاميون أبدعوا في التصوير على الجدران وعلى الكتب، وكان من الحمامات المصورة بدمشق حمام سيف الدين، وصفه عمر بن مسعود الحلبي المعروف بالمحار بقوله:

وخط فيها كل شخص إذا

لاحظته تحسبه ينطق

ومثل الأشجار في لونها

ولينها لو أنها تورق

أطيارها من فوق أغصانها

بودها تنطق أو تزعق

وهيبة الملك وسلطانه

وجيشه من حوله يحدق

هذا بسيف وله عبسة

وذا بقوس وبه يعلق

وللمحار أيضا في تمثال من النحاس على صورة شخص يخرج الماء من أعضائه، وكان على الأرجح في بعض دور دمشق:

وشخص على ساقه قائم

مشير بساعده الأيمن

له صورة حسنت منظرا

على بدن صيغ من معدن

يكاد يحدث جلاسه

ولكن به خرس الألكن

إذا بث من صدره سره

فتسبقه أدمع الأعين

ولم يبك حزنا على نازح

ولم يصب شوقا إلى موطن

صبور على الحر والبرد لم

يسر بحال ولم يحزن

وجاءت العصور الحديثة فكثر النقاشون والمصورون، ومنهم المصورون على الخزف، تجد نموذجات من أعمالهم بدار الآثار العربية بمصر، ومن النقاشين من ينقش على المعادن كالذهب والفضة والنحاس، ومنهم من ينقشون المنازل ويعرفون بالدهانين.

وعدوا الرقص من الفنون الجميلة، وقد ارتقى منذ عرف تاريخ العرب إلى أن فتحوا الأندلس ونقلوا إليها رقصهم الذي لا يزال إلى اليوم شائعا فيها بعد خروجهم منها قبل خمسة قرون، وكذلك الموسيقى الإسبانية، يرقصون بالصنجات كما كان يرقص الراقصات في دمشق، وكان لهم في الشام رقص يسمونه السماع، يرقصه عدة أشخاص على نغمات متساوقة من الأوتار وترديد جميل من الموشحات فقط، وهو أشبه بالأوبرا أو الأوبريت عند الإفرنج - أي القصائد الملحنة التي تمثل على نغمات الموسيقى - ويزيد رقص السماع على الأوبرا كونه ترفع فيه الأصوات بأنغام مألوفة، وقال بعض العازفين: إن رقص السماع هو الذي يعرفه الإفرنج بالباليه.

ونبغ في دمشق في القرن الماضي سنة 1282ه رجل من أبنائها البارعين في الموسيقى والغناء ونظم الشعر، وهو أبو خليل أحمد القباني، فأنشأ قاعة للتمثيل حازت القبول عند العارفين، ثم اضطهدته الحكومة بإغلاق محله، فانتقل بفرقته إلى مصر ووضع هناك أيضا أساس التمثيل العربي الذي كان وضعه في دمشق على غير مثال احتذاه، ومن تأليفه روايات إلى اليوم تمثل في دور التمثيل، وتجد لها قبولا من نفوس المشاهدين، وكان لرقص السماع في رواياته التمثيلية قسط عظيم من العناية.

دمشق مدينة السحر والشعر · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دمشق مدينة السحر والشعرص ٢٩