كما هو معروف ومشهور في كتب علوم القرآن وأسباب النزول والتفاسير أن قريشاً أرسلت وفداً إلى علماء أهل الكتاب (اليهود) في المدينة كي يطلبوا منهم بعض الأسئلة ليمتحنوا بها صدق محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فقال لهم اليهود اسألوه عن «أصحاب الكهف» وعن «ذي القرنين» (1) .
فعادوا بهذه الأسئلة إلى مكة وطرحوها على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأجابهم قائلاً «سأخبركم عنها غداً» ولم يستثنِ بقوله: «إن شاء الله»! فلم ينزل الوحي في اليوم التالي، وكما ذكر الرواة تأخَّر نزول الوحي من ثلاثة إلى 45 يوماً وقد أصاب النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم الحزنَ لهذه الفترة في الوحي.
وبعد أن نزل الوحي وبيَّن الإجابة عن أسئلتهم علَّم اللهُ تعالى في بداية الآيات نبيَّه الكريمَ صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يجزم بقول أو فعل شيء في المستقبل دون إيكال ذلك إلى مشيئة الله وإرادته وقال له: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ... الآية﴾.
وقد يقول قائل إن جملة «إذا نسيتَ» قضية شرطية ولا تدلّ ضرورةً على تحقّق الشرط وأن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم نسيَ فعلاً. والجواب: إن هذا الكلام مثله مثل أن تقول لشخص تجاوز الخمسين من عمره إذا كنت شاباً فواصل تحصيلك العلمي أي أن تُعَلِّقَ الأمر على محال! فذلك الإشكال يستتبع نسبة الشك إلى علم الله -معاذ الله-، وكأنَّه تعالى لم يكن يعلم أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكن أن ينسى أبداً، فهو يذكِّرُهُ بأمر يستحيل وقوعه منه!! إنه من الواضح تماماً أن الله تعالى اعتبر بروز النسيان أمراً طبيعياً بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لذا أمره أن يذكر ربه إذا نسي.
(1) وأضافت بعض المصادر أنهم اقترحوا عليهم أيضاً أن يسألوه عن الروح.