وفي موضع آخر تعرَّض الشيخ المفيد لكلام الشيخ الصدوق في كتابه «الفقيه» فقال: «ثم من العجب حكمه على أن سهو النبي عليه السلام من الله، وسهو من سواه من أمته وكافة البشر من غيرهم من الشيطان، بغير علم فيما ادعاه، ولا حجة ولا شبهة يتعلق بها أحد من العقلاء، اللهم إلا أن يدعى الوحي في ذلك، ويبين به ضعف عقله لكافة الألبّاء. ثم العجب من قوله: إن سهو النبي عليه السلام من الله دون الشيطان، لأنه ليس للشيطان على النبي عليه السلام سلطان، وإنما زعم أن سلطانه على الذين يتولَّوْنَهُ، والذين هم به مشركون، وعلى من اتَّبَعَهُ من الغاوين. ثم هو يقول: إن هذا السهو الذي من الشيطان يعم جميع البشر - سوى الأنبياء والأئمة - فكلهم أولياء الشيطان وإنهم غاوون، إذ كان للشيطان عليهم سلطان، وكان سهوهم منه دون الرحمن، ومن لم يتيقظ لجهله في هذا الباب، كان في عداد الأموات (1) . فأما قول الرجل المذكور [يقصد الشيخ الصدوق] إن ذا اليدين معروف، وأنه يقال له: أبو محمد، عمير بن عبد عمرو، وقد روى عنه الناس. فليس الأمر كما ذكر، وقد عَرَّفه بما يدفع معرفته من تكنيته وتسميته بغير معروف بذلك، ولو أنه يُعرف بذي اليدين، لكان أولى من تعريفه بتسميته بعمير. فإن المنْكِر له يقول: من ذو اليدين؟ ومن هو عمير؟ ومن هو ابن عبد عمرو؟ وهذا كله مجهول غير معروف.
(1) الإنصاف يقتضي هنا أن نقول إن إشكال الشيخ المفيد على كلام الشيخ الصدوق إشكال وارد وفي محله، لأنه لا يمكن القبول بأن كل إنسان -خاصة المؤمن والمسلم- سوى النبي والإمام إذا سها كان سهوه من تأثير الشيطان وإضلاله! لأن مثل هذا الحكم سيصيب حتى الشيخ الصدوق نفسه! لأنه مما لا شك فيه أنه كان يعرض له السهو والنسيان -كأي إنسان- فهل يقبل أن يقال له أنه ولي للشيطان وضالٌّ؟ بالتأكيد لا.