إن التدين والتشرُّع في المجتمع الإسلامي -خلافاً لما يظنه أغلب الناس- أمر حساس وخطير، رغم أن الإسلام شريعة سهلة وسمحة وأنه ليس من غرض الله أن يوقعنا في العسر والحرج في أمور الحياة وفي التكاليف الشرعية، لكن الأمر المؤكد الذي لا ينبغي الغفلة عنه اهتمام الشارع المقدس وتأكيده على اتباع الدين الخالص النقي من كل شائبة، وحثّه إيَّانا على التفكّر وتكليفه إيَّانا بالتدقيق في ما نؤمن به من عقائد وما نقوم به من أعمال باسم الدين! ولا شك أن الأعمال المخلصة والمقبولة والمثمرة هي التي تنتج عن العقيدة الخالصة والتوحيدية.
أجل، إن إحدى آفات العقائد الدينية في الأديان السابقة وفي دين الإسلام المبين، والتي نهى عنها القرآن الكريم وأئمة الدين آفة «الغلو» في الدين وفي الشخصيات الدينية. لقد نهى القرآن الكريم أهل الكتاب عن الغلو [في المسيح] فقال: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الحَقَّ..﴾ [النساء/171]، وقال أيضاً: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ [المائدة/77]. ولا شك أن ذكر هذا النهي لأهل الكتاب يراد به تلويحاً تحذير المسلمين أيضاً من الوقوع في نفس الخطأ أي «الغلو» في نبيِّهم وفي عقيدتهم وإرشادهم إلى النهج الديني الصحيح!
أما ما ورد عن أئمّة الدين الكرام في النهي عن الغلوّ فهو كثير للغاية ونجتزئ منه بذكر هذين القولين، فخير الكلام ما قلَّ ودلَّ:
أ- رُوِيَ عن أمير المؤمنين علي (ع) أنه قال: «هَلَكَ فِيَّ رَجُلانِ مُحِبٌّ غَالٍ ومُبْغِضٌ قالٍ» (نهج البلاغة، الحكمة 117) (1) .
(1) ونظيرها الحكمة 469 في نهج البلاغة أيضاً: «يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلانِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ وبَاهِتٌ مُفْتَرٍ.»