وقد فتحوا باب الشفاعة على مصراعيه إلى حدٍّ لم يعد معه أي أثر للوعيد الإلهي والإنذارات النبوية، فإذا واجهوا حين رجوعهم إلى لقرآن آيات العذاب والوعيد بالعقاب فأثقلت أسماعهم واضطروا للإقرار بها صنعوا لأنفسهم بإغواء الشيطان وسيلة للهروب من ذلك العذاب في المبالغة في أمر الشفاعة. وإذا رأوا أن الوصول إلى السعادة ونيل رضا الله لا يكون إلا بالإيمان وبذل الروح والنفس والعمل الصالح كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة/111]، ورأوا أن تقديم الروح والمال على النحو الذي أراده الله منهم صعب عليهم وتصوروا أن جلب عطف قلب الإمام الفلاني أو حفيد الإمام الفلاني ممكناً قياساً على أنفسهم حيث أنهم عندما يمتدحهم شخصٌ ويطريهم ويبالغ في الثناء عليهم يجزلون له العطاء، فتصوروا أنه لما كان الأئمَّة وحفدتهم - حسب اعتقادهم - أصحاب نفوذ في ملك الله؛ قاموا بوقف الأوقاف لهم وتقديم النذور العجيبة وقراءة المراثي ولطم الصدور وأداء طقوس العزاء المبتدعة التي تثير السخرية منهم. وهذا كلُّه علَّته الأساسية أنهم لم يفهموا معنى الإمام ولم تتضح لهم مسألة «الإمامة» و«الإمام» على وجهها الحقيقي الصحيح رغم كل الكتب والرسائل التي كُتبت وقيلت والتي لم تزدهم إلا ضلالاً إلى ضلالهم وجهلاً إلى جهلهم!.
[المفهوم الصحيح لـ«الإمام» و«الإمامة»]:
إن للإمام كما قلنا وكما يشهد به الشرع والعقل والوجدان معنيان حقيقيَّان وعدَّة معاني مجازية:
المعنى الحقيقي الأول هو: القائد السياسي والاجتماعي والمتصدي لأمر حكم المسلمين، وبهذا المعنى يطلق الإمام على كل من يتولى زمام أمور الحكم سواءً كان عادلاً أو جائرًا، فإن عدل في حكمه قيل إمام عادل وإن ظلم وجار قيل إمام جائر، وسيرة المسلمين وأحاديث الفريقين مليئة بهذا المصطلح.