إن معرفة علم الغيب ولو كان شيئاً ضئيلاً منه، فضلاً عن ذلك الغيب الذي: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ؟!﴾ مضرّة بالإنسان حتى ولو كان ذلك الإنسان إماماً أو نبياً، لأن هناك وقائع وحوادث تجري في هذه الكرة الأرضية فضلاً عن الكواكب الأخرى مثل الزلازل والطوفانات والوفيات وعمليات القتل والسطو والاغتصاب والفسق والفجور والمد والجزر والكذب والخيانات والظلم والمظلومين و.... و....مما لا يمكن لأي بشر مهما كان قوياً أن يتحملها حتى ولو دقيقة واحدة.
ثم إن هذه المعرفة بالغيب تسلب أهم خاصية «للإمامة» التي هي القدوة والأسوة للناس في السيرة والأفعال. وفي الأساس لم تكن بعثة الأنبياء من بني البشر ومن جنسهم إلا لكي يكونوا حجة على الخلق وأسوة لهم بأن يكونوا أنفسهم من أفضل العاملين بما يدعون الناس إليه وما ينهونهم عنه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب/21]، وقال أيضاً: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة/4]، وقال كذلك: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود/112].
وكما ذكرنا إذا قام النبيُّ أو الإمام، الذي يأمر الناس بإنفاق أموالهم في سبيل الله وإعطاء الصدقات -ومن الواضح أن إنفاق الشيء يعني فقدانه- بإنفاق مالٍ في سبيل الله أو التصدُّق بطعامه على مسكين أو يتيم أو أسير، ولكن في مقابل ذلك كان النبي أو الإمام يُرْزَقُ في هذه الدنيا بطعام الجنة، ويكون ضيفاً في أربعين منزلاً في آنٍ واحد، والظاهر أنه يأكل الطعام فيها جميعاً، فإن إنفاقه للمال لن يكون أمراً ذا بالٍ أو عملاً هامّاً، ولن تكون له فيه أي فضيلة، ولن يكون عمله هذا قابلاً للاقتداء به!