هـ) وفي كتاب «العيون والمحاسن» للشيخ المفيد حكاية مناقشة قام بها الشيخ المفيد مع شيخٍ مِنْ حُذَّاق المعتزلة وَأهل التديُّن بمذهبهم سأله فيها الأخير عن سبب الغيبة (غيبة الإمام الثاني عشر) وتفسيرها، فأجابه الشيخ المفيد أن سببها هو أن «الإمام في تقيَّة من أعدائه لا محالة وَهو أيضاً في تقيَّة من كثير من الجاهلين به...»، فسأله الشيخ المعتزلي: «أخبرني الآن إذا لم يكن الإمام في تقية منك فما باله لا يظهر لك فيعرفك نفسه بالمشاهدة وَيريك معجزة وَيبين لك كثيراً من المشكلات ويؤنسك بقربه وَيعظم قدرك بقصده، وَيشرفك بمكانه إذا كان قد أمن منك الإغراء به وَتيقن ولايتك له ظاهرة وَباطنة؟؟!».
فأجاب الشيخ المفيد: «فقلت له: أول ما في هذا الباب أنني لا أقول لك إن الإمام (عليه السلام) يعلم السرائر وَإنه مما لا يخفى عليه الضمائر فتكون قد أخذت رهني بأنه يعلم منِّي ما أعرفه من نفسي وَإذا لم يكن ذلك مذهبي وَكنت أقول إنه يعلم الظواهر كما يعلم البشر وَإن علم باطنا فبإعلام الله عز وَجل له خاصة على لسان نبيه (عليه السلام) بما أودعه آباؤه (عليه السلام) من النصوص على ذلك أو بالمنام الذي يصدق وَلا يخلف أبداً أو لسبب أذكره غير هذا، فقد سقط سؤالك من أصله، لأن الإمام إذا فَقَدَ علم ذلك من جهة الله عز وَجل أجاز عليَّ ما يجيزه على غيري ممن ذكرت فأوجبت الحكمة تَقِيَّتَهُ مني وَإنما تَقِيَّتُهُ منِّي على الشرط الذي ذكرت آنفاً، ولم أقطع على حصوله لا محالة وَلم أقل إن الله عزَّ وَجلَّ قد أَطْلَعَ الإمامَ عَلَى باطني وَعرَّفه حقيقة حالي قطعاً» (1) .
(1) الشيخ المفيد، «الفصول المختارة من العيون والمحاسن»، ص 113 - 114. (تر)