تُعَدُّ هذه القصة من حوادث التاريخ المسلَّم بها والتي وقعت زمن أمير المؤمنين (ع). وكما نعلم لم يستطع «محمد بن أبي بكر» أن يحكم سيطرته على مصر لأنه كان شاباً عديم التجربة وانتهى الأمر بمقتله بأفجع صورة وخروج مصر من يد أمير المؤمنين ولم تعد إليه بعد ذلك أبداً.
وقد أعرب أمير المؤمنين (ع) نفسه عن ندمه على ما وقع منه، ونجد هذا المعنى في الرسالة التي كتبها أمير المؤمنين عندما أرسل مالك بن اشتر والياً على مصر، وقد روى هذه الرسالة الشيخ المفيد في أماليه (ص48، المجلس 9) حيث جاء فيها الفقرة التالية: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ وَأَقْمَعُ بِهِ نَخْوَةَ الأَثِيمِ وَأَسُدُّ بِهِ الثَّغْرَ المَخُوفَ وَقَدْ كُنْتُ وَلَّيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ رَحِمَهُ اللهُ مِصْرَ فَخَرَجَ عَلَيْهِ خَوَارِجُ وَكَانَ حَدَثاً لَا عِلْمَ لَهُ بِالْحُرُوبِ فَاسْتُشْهِدَ رَحِمَهُ اللهُ...» (1) .
أقول ولا يخفى على أهل العلم والفهم أن «قيس بن سعد بن عبادة» كان من كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن خواص شيعة أمير المؤمنين (ع) والإمام الحسن (ع) ومن الأقوياء في دين الحق ومن شجعان زمانه، وقد جاء في كتاب الرجال للشيخ الطوسي وصفه الملخص بالعبارات التالية: «قيس بن سعد بن عبادة، من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام وَهو مشكور، لم يبايع أبا بكر.» (2) .
كما أن الشهيد الثاني -عليه الرحمة- قال في تعليقه على تلك العبارة ما نصه: «وقال أنس: وكان قيس بن سعد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير».
(1) المجلسي، بحار الأنوار، ج 33 / ص 552. (تر)
(2) رجال العلامة الحلي، ص 134. (تر)