هل يعقل أن يقوم أمير المؤمنين، الذي كان يسعى جاهداً ليثبت براءته من دم عثمان، لأولئك المخدوعين الممتلئة صدورهم ببغضه، بإلقاء خطبة عليهم يقول لهم فيها: أنا كذا.. وأنا كذا... يعني باختصار: أنا الله؟!! ثم لا يعترض عليه أحد من أهل تلك المدينة التي تمردت عليه ويقول له ما هذا الكلام الذي يصدر عنك؟! ثم كيف لم يذكر أي أحد من المؤرخين والمحدثين من الصديق والعدو مثل هذه القضية المهمة في كتب التاريخ والحديث، سوى أبي بكر الشيرازي الذي لا يعلم أحد أي حيوان كان؟! يا رب أي جنون مطبق وأي حماقة مدقعة حلّا بهؤلاء الذين يستجيزون إعادة نشر مثل كلمات الكفر هذه بين الناس؟!
وليت شعري! إن لم يكن هذا هو ذلك الغلو الذي كان أئمة الإسلام يحذِّرُون الناس منه مراراً وتكراراً ويلعنون أصحابه ويظهرون البراءة منهم، فما هو الغلو إذن؟!
والعجيب أنه في الوقت الذي كان علماء الشيعة القدامى يعتبرون مجرّد نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غُلُوَّاً (1) ، أصبح في شيعة اليوم مَنْ لا يعتبر حتى مثل تلك العبارات المتضمِّنة لادعاء الألوهية غلوَّاً، بل يعتبرها من معارف الدين!! ويعتبر أن من يشكّك في هذه الخرافات، ناقص الولاية بل ربما قال بتكفيره!!
يشهد الله أننا لا نقصد أبداً ببياننا لبعض وقائع تاريخ وسير الأئمة أن ننتقص من مقامهم العالي وأن نقلّل من درجتهم، كل ما في الأمر أن غلوّ هؤلاء الغلاة الذي يُعَدُّ انتهاكاً للتوحيد وللأصول المسلّم بها لدين خاتم النبيين هو الذي يدفعنا إلى ذكر هذه الوقائع التاريخية من كتب الشيعة الموثوقة، لكي نوقظَ الناس إلى خطر الغلوِّ في الدين وننقذهم من أن يبتلوا بما نهى عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء/171] وَ[المائدة/77].
(1) راجعوا رسالة «تأمُّلٌ في رسالة سهو النبيّ» الملحقة في آخر هذا الكتاب.