إن كل من له أدنى اطلاع على تاريخ الإسلام يعلم أنه بعد مبايعة الناس في المدينة لأمير المؤمنين (ع) بالخلافة ويأس طلحة والزبير من الحصول على المناصب التي كانوا يأملونها، اتفقا مع أم المؤمنين عائشة التي كان لها سابق عداء لأمير المؤمنين وانطلقوا إلى البصرة معادين لأمير المؤمنين وناصرين لعثمان [مطالبين بالقصاص من قتلته] ولقد اختاروا البصرة لأن أهلها لم يقبلوا خلافة أمير المؤمنين وليس هذا فحسب بل كانوا، على إثر دعايات مثيري الفتنة، يعتبرون علياً (ع) قاتل عثمان ويرَوْنَ وجوب قتال علي، وقد زاد من عدائهم لأمير المؤمنين الدعايات التي كان أنصار عثمان ومحبوه -الذين استَوْلَوْا منذ مدّة على البصرة- يبثّونها بينهم ليل نهار حتى صوّروا لهم وكأن أمير المؤمنين أعدى أعداء الإسلام!! إلى حد أن أمير المؤمنين لم يستطع إخماد الفتنة ودخول البصرة إلى بعد معركة راح ضحيتها آلاف الأنفس.
فهل هناك من مجنون فضلاً عن عاقل يمكنه أن يصدق أن أمير المؤمنين الذي بمعزل عن مقام صحبته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتربيته في حجره، كان من أعقل العقلاء على الأرض، يأتي إلى مثل تلك المدينة التي يعتبره أكثر أهلها معتدياً وقاتلاً فيصعد المنبر ويخطب في أهلها قائلاً: «أَنَا دَحَوْتُ أَرْضَهَا وَأَنْشَأْتُ جِبَالَهَا وَفَجَّرْتُ عُيُونَهَا وَشَقَقْتُ أَنْهَارَهَا وَأَنَا... وأنا... [حتى يصل إلى قوله]: وَأَنَا الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَبِكُلِّ شَيْ ءٍ عَلِيْم)؟!!