ومن الواضح تماماً أن المراد من أخبار السموات والأرض التي فيها قوام الدين ليس علم ما كان وما يكون بالمعنى الذي يذهب إليه الغلاة، بل هو العلم المتعلق بأحكام الدِّين والذي لا شكّ أنّ الأئمّة الأطهار كانوا كاملي المعرفة به. ولهذا السبب بالذات قال السيد المرتضى علم الهدى (1) في كتابه «الشافي في الإمامة» (ص 188 وَ189):
«معاذ الله أن نوجب له [إي للإمام] من العلوم إلا ما تقتضيه ولايته، ويوجبه ما وليه، وأسند إليه من الأحكام الشرعية، وعلم الغيب خارج عن هذا.» ثم قال: «فأين هذا من العلم بالحِرَف والمهن والقيم والأروش، وكل ذلك مما لا تعلق له بالشريعة ولا كلف أحد من الأمة إماماً كان أو مأموماً العلم به لا على سبيل الندب ولا الإيجاب؟ وإنما تكليفهم المتعلّق بالشريعة في ذلك أن يرجعوا إلى أهل القيم والمعرفة بالصناعات، لا أن يقوموا ذلك بأنفسهم.».
وقال الشيخ الطوسي في كتابه «تلخيص الشافي» (ص 321) أيضاً:
«فأما قولهم إنه يجب أن يكون عالماً بسائر المعلومات وبالغيب، فلا شبهة في بطلانه، لأن من المعلوم أن جميع ذلك لا تعلق له بباب الدين، ولا الإمام حاكمٌ في شيء من ذلك..» (2) .
(1) هو السيد الشريف أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم، ويُعْرِف بالشريف المرتضى، وهو أخ الشريف الرضي، واشتُهِرَ لدى الإمامية بلقب «السيد المرتضى علم الهدى» (355 - 433هـ)، كان علماً من أعلام الشيعة الإمامية وفقهائهم القدماء المرموقين، تولى رئاسة الطائفة الإمامية في عصره، وترك عدَّة مؤلَّفات قيِّمة أهمها: «الشافي في الإمامة» وكتاب «تنزيه الأنبياء والأئمة» وكتاب «الغُرَر والدُّرَر» ويُعْرَف بـ«أمالي المرتضى»، وكتاب «الانتصار». (تر)
(2) الشيخ الطوسي، تلخيص الشافي، تقديم وتعليق السيد حسين بحر العلوم، قم، مؤسسة انتشارات المحبين، 1382 هـ شمسية، ج1/ ص 253.