يجب أن نرجع إلى القرآن الكريم نفسه لفهم هذا الأمر، ونبحث فيه عن مضمون هذا الغيب الذي يظهره الله على من ارتضاه من رسول:
يقول سبحانه بعد أن يقصَّ علينا قصة نذر امرأة عمران ما في بطنها لِلَّهِ وولادة مريم والإتيان بها إلى بيت المقدس وكفالة زكريا لها: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران/44].
إن كلَّ من له أدنى اطلاع على التاريخ والأناجيل الموجودة اليوم بين أيدي النصارى ويلاحظ كيف حُرّفت قصة مريم في تلك الكتب السماوية المحرَّفة يدرك ويقرُّ أن ما قصَّه القرآن كان من أنباء الغيب، لأنه لم يكن أحد من البشر قبل نزول القرآن يعلم قصة مريم بالكيفية والصورة التي بينها القرآن. إن قصة حمل مريم وولادة عيسى (ع) وتربية يوسف النجار زوج مريم لعيسى الوليد وسائر المضامين الموجودة في الأناجيل الأربعة تختلف وتبتعد بُعْدَ السماء عن الأرض عما ذكره القرآن في هذا الصدد، مما لم يكن أحدٌ يعلمه قبل نزول القرآن.
وكذلك بعد أن يقصَّ الله تعالى علينا في سورة هود قصَّة نوح ودعوته قومَه إلى التوحيد وأمرَ اللهِ له بأن يصنع الفلك أي السفينة الكبيرة وأن يركبها هو ومن آمن معه ثم كيفية مخالفة ابن نوح لأبيه وغرقه في الطوفان، يقول: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا...﴾ [هود/49].
وكذلك بعد أن يقص علينا القرآن الكريم قصة يوسف يقول: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [يوسف/102]، مما يبين أن قصة يوسف بالصورة والكيفية التي جاءت في القرآن كانت من الأخبار الغيبية التي أظهرها الله لرسوله وقد أبلغها الرسول بتمامها وكمالها للناس، وقد صرحت بداية سورة يوسف بهذا المعنى أي بعدم اطلاع النبي على تلك القصة قبل نزولها عليه فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ﴾ [يوسف/3].