ولقد تمسَّك هؤلاء في مقابل كل تلك الآيات المحكمات التي مرَّت معنا والتي نفت علم الغيب عن غير الله وأكدت أن النبي قد أُمر أن يعلن للناس حقيقة عدم علمه بالغيب، اللهمَّ إلا ما يُوحى إليه من مضامين الشرع، وأنه ليس بينه وبين سائر البشر أي امتياز من هذه الناحية، تمسكوا بجزء من آية كريمة وهي عبارة (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن/26-28]، وانطبق عليهم قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج/11]!
كما تلاحظون إن كل ما تقوله تلك الآيات [من سورة الجن] هو أن الله يُطْلِعُ أحياناً على غيبه من يرتضيه من رسول أو ملاك أو بشر ثم يراقبه حتى يبلِّغ ذلك الغيب الذي هو وحيُ الله، إلى الناس. وفي هذه الآيات عددٌ من النقاط لا بد أن نلاحظها:
1- عالم الغيب هو الله تعالى وحده فقط، ولا يظهر أحداً على غيبه.
2- أحياناً يظهر على غيبه من يرتضيه من رسول.
3- بعد أن يظهر شيئاً من غيبه لرسوله يراقبه ويحرسه حتى يبلغ ذلك الغيب إلى الناس كما أُوحي إليه.
4- هذه الحراسة والرقابة هي التي تُسمَّى اصطلاحاً «العصمة» وهي التي تبقى حتى يقوم الرسل بإبلاغ رسالة ربهم إلى الناس.
5- اللهُ محيطٌ بكلِّ ما لدى الأنبياء ويحصي كلَّ شيء ويعلم بما يتمُّ من إنقاص أو زيادة -إن حدثت- في إبلاغ رسالته فقد أحصى كلَّ شيء عدداً وأحاط بكل شيء خبراً.
إذا كان الأمر كذلك فعلينا أن نرى ما هو الغيب الذي يظهره الله تعالى على من ارتضاه من رسول؟!