وقال العلامة ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره لآية الأنعام: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) قال:
(أي حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره فهذا هو الشرك، كقوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) الآية) ا. هـ
قلت: فجعل الآيتين في حكم واحد، وهو الذي يسمى بشرك الطاعة، فتأمل.
وبالجملة؛ فمن تحاكم إلى غير الله ورسوله -عليه الصلاة والسلام-، فقد تحاكم للطاغوت، ومن تحاكم للطاغوت فقد اتخذه رباً وشريكاً لله تعالى فيما يأمر به وينهى عنه، والآيات في ذلك يصدِّق بعضها بعضاً، وليس بينها إختلاف ولله الحمد، ولا يُنظر في هذا كله إلى الاعتقاد كما يدّعي هذا المردود عليه.
الثاني: أن شيخ الإسلام -رحمه الله- لا يخالف في هذا الباب كما كنتُ أبنتُ هذا عنه فيما سبق، لا سيما عند كلامه على قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون) الآية، فقد قرر أن من عدل عن الحكم بالشرع إلى غيره مع علمه بذلك أنه يكون كافراً مرتداً، وما نحن فيه من هذا الجنس، ومن كلامه -رحمه الله- في هذا الباب قوله:
(فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار ... ) ا. هـ
وقال: (والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدّل الشرع المجمع عليه، كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء) ا. هـ
وقال: (فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم، فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن) ا. هـ
وقال: (فبين سبحانه أن من دُعي إلى التحاكم إلى كتاب الله وإلى رسوله فصدّ عنه كان منافقاً ... وليس بمؤمن ... ) ا. هـ
قلت: وأقاويله هذه -رحمه الله- كنتُ قد نقلتها فيما سبق، وأبنتُ هناك معنى كلامه هذا وأنه لا يشترط بالكفر بذلك أن يكون مرتكبهاً مكذِّباً في الباطن أو مستحلاً كما يدّعي هذا المردود عليه، إذ هذا مناط آخر للتكفير، فإذا كان الإمام -رحمه الله- يكفِّر بمجرّد الإعراض عن التحاكم للشريعة فكيف بمن أضاف إلى أن يتخذ أرباباً من دون الله يتحاكم لها