وقد أحس الشقيري منذ شهور بخطورة مرضه فقرر أن يترك تونس ويأتي إلى عمّان لكي يستسلم للعلاج ، فإذا حمى القدر كانت وفاته في أقرب بقعة إلى أرض بلده وكان قبره عند موقع الصحابي أبي عبيدة في غور الأردن حيث قبور الصحابة والشهداء وأبطال العرب لتحرير فلسطين.
وكان في الأيام الأخيرة من عمره أسير الشعور بالحزن ، كان وجهه يتجهم ويتصبب العرق من عينيه ويبكي بكاء حارا عندما يتبين من خلال قسوة المرض ملامح الزائر العزيز الذي يقف أمامه، هكذا رأيته في فراش مرضه الأخير وهكذا حدثني أيضا عنه معظم أصدقائه الذين زاروه في أيامه الأخيرة في مستشفاه بمدينة عمّان، كان يوصي ولده بأن ينفذ وصيته وان يجعل قبره ملازما لقبر أبي عبيدة الصحابي الجليل.
لقد كان يشعر رغم صفاء وطنيته وطول جهاده بأن أهل فلسطين لم يعطوا بلدهم كل ما يستحقه البلد من تضحيات ودماء ، وكان يشهد على ذلك بصور الملاحم العربية الخالدة والقصائد العربية القديمة والأحاديث العربية الفريدة ، وكان يعي كل صفحة من صفحات التاريخ الحديث ، وكان يحفظ القرآن عن ظهر قلب ، ويحفظ إلى جانب ذلك المئات من الأحاديث النبوية وأقوال الخلفاء والصحابة، وكان يصر أن يجعل كلامه ممزوجا باللغة الفصحى وأن يؤكد روايته برأي قديم أو رأي حديث مشهور أو نظرية أجنبية، فقد كان يقرأ بالعربية كما يقرا بالإنجليزية وتشهد مكتبته الكبيرة والتي تضم آلاف المجلدات في القاهرة وفي لبنان على صدق هذا القول...