تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شذوذات علم الكلام سبباً فيما بعد لضلالات وحدة الوجود للأسف عن غير قصد) .. وكما نرى كلها أفكار فيها تكلف لما هو مستحيل معرفته بالتفكير والرأي المجرد أو العقل، تماماً كما أسأل القارئ الآن: هل تعلم ماذا يرتدي كاتب هذا الكلام الذي تراه أمامك في هذه اللحظة؟ هل تعلم صفاته الشخصية؟ طويل قصير بدين رفيع لونه شعره إلخ؟ فكما ترى كلها أشياء لا يمكن (بل مستحيل) معرفتها بدون واسطة أو أن يظهرها ويذكرها صاحب الكلام نفسه، ولكن على النقيض: يمكننا معرفة بعض صفاته من خلال ما يكتب، وهو أنه قارئ مثلاً، مثقف، حكيم، متمكن من فلسفة العلم وأفكاره، التاريخ إلخ، إذن: هناك حدود للعقل يتحرك من خلالها، بل ويحث عليها الدين والإسلام خصوصاً (والقرآن مليء بالآيات التي تحث على التفكر في ذلك والاستدلال العقلي) فجاء فيه مثلاً: أفلا تعقلون، يتدبرون، يتفكرون وغيرها، ولكن في المقابل هناك حدود لهذا العقل والرأي لا يمكن تجاوزها بالعقل مفرده، حتى سيارات النقل يكون لها حمولة معينة على قدرها، فإذا زاد الحمل عليها توقفت في مكانها ولن تستطيع السير، وفي النهي عن تكلف وطلب ما ليس له سبيل يقول عز وجل:

"ولا تقف ما ليس لك به علم" الإسراء 36.

ومن هنا: نفهم خطورة مثل هذه التأويلات التي نشأت عند محرفي الأديان أولا، وعند المنقطعين عن الوحي ثانيا، ثم تابعهم فيها للأسف بعض مفكري الإسلام ومنتسبيه إلى الفلسفة كما قلنا ظناً منهم أنهم بذلك ينفعون الدين ويؤكدون على أن الدين يشمل كل الأفكار بما فيها أفكار الفلاسفة ولم يخالف منتوجات عقولهم فيه!! فكان أن جاءوا بما لم يأت به قرآن ولا سنة، ثم أنكروا معلومات من الدين بالضرورة (وبالفعل وصل الحال ببعضهم كالفارابي وابن سينا لإنكار مقام النبوة أو إنكار البعث الجسماني ولكن الروحاني فقط كما ذكرناه سابقاً).

ثانياً:

من أسباب القول بوحدة الوجود أيضاً: عدم تقبل بعض الناس لوجود الشر في العالم، وعدم فهمه للفرق بين الإرادة الشرعية (أي التي يحبها الله ويأمر بها مثل أمره بالخير والإيمان) وبين إرادته الكونية (أي تركه لوجود الشر والكفر في العالم لغرض الامتحان الذي يسبق العذاب الأبدي أو النعيم الأبدي وفق ما تقوم كل نفس بعمله من حجة على نفسها في الدنيا وإظهار مكنونها الذي يعلمه الله لكي يؤاخذها به)، فالله تعالى يعلم ما في كل نفس حين خلقنا أحراراً لنا إرادة واختيار، ولكن كمال عدله يأبى أن يدخل الناس الجنة ويدخل الناس النار بمجرد علمه فقط، إلا بعد أن تقام الحُجة على كل نفس بامتحانها وإظهار مكنونها (عملياً) على أرض الواقع، وهكذا تتفاوت الامتحانات حسب كل نفس في الدنيا، بل وفي الآخرة أيضاً امتحان لمَن أنفسهم تتقبل سؤالاً واحداً فقط كما جاء في الأحاديث الصحيحة من اختبارهم في عرصات يوم القيامة (مثل المجنون والميت طفلاً والأصم والطاعن في السن الهرم)، فلما كان هذا العجز عن الفهم من هؤلاء الناس لوجود الشر: قالوا أن الوجود هكذا بخيره وشره ما هو إلا وجود واحد لا فارق فيه بين خالق ومخلوق!! بل الكل واحد، وعلينا أن نتقبل كل ما يحدث على أنه شيء

كتاب الباحثون المسلمون عن الإلحاد · الصفحة ٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

كتاب الباحثون المسلمون عن الإلحادص ٩٠