وتوزيع العمل على الناس، وتخصيص كل طائفة بعمل ساعد على الإتقان، كالذي ترى في لاعبي الكرة، فلو أنك رتبت اللاعبين، وكلفت كل لاعب عملا خاصا، انتظم اللعب، وكان أوفى بالغرض، وعلى العكس من ذلك إذا أنت سمحت لكل لاعب أن يأتي بكل أعمال اللعب من غير تحديد.
كذلك كان هذا التوزيع من وسائل توفير الزمن وتوفير المال، فالقمح لو اشتغل أفراد في حصاده، وآخرون في طحنه، وطائفة ثالثة في خبزه، أخذ زمنا أقل في إعداده، وكان أرخص مما إذا اشتغلت طائفة واحدة بالحصاد والطحن والخبز معا.
لعلك نظرت إلى آلة من الآلات الكبيرة كآلة الطباعة، أو آلة رفع المياه، أو توليد الكهرباء، وكيف رأيت أن كل آلة مركبة من أجزاء مختلفة، كل جزء له عمل خاص، فعجلات ومكابس ونحوها تتحرك حركات مختلفة، وكل جزء يتحرك حركة مناسبة للآخر، ومؤدية لتحصيل الغرض من الآلة، كذلك الناس والحياة، هم آلة كبيرة، كل يؤدي عملا جزئيا، وكل يتعاون مع الجزء الآخر في عمله، ولو قعد جزء هام من العمال عن العمل لوقف سير العمل جميعه، كما إذا وقف جزء هام من آلة الطباعة، وكل جماعة من الناس صالحون لنوع من العمل قد لا يصلحون لغيره، فالواجب أن يعملوا ما صلحوا له وأن يؤدوا عملهم على أحسن وجه، علما بأن بقية أجزاء الأمة يتوقف عملها على عملهم، وإن لم تر ذلك عيونهم.
كثيرا ما تقرأ أو تسمع أن بعض المؤلفين وعظماء الرجال ماتوا غرقا من إهمال ربان سفينة، أو سقط عليهم البيت من إهمال مهندس، أو نحو ذلك، كل هذا يدلنا على أن كل إنسان في أمة يتعدى عمله غيره من الناس، وقد يصل أثر ذلك إلى حياتهم، وهذا يجعلنا نشعر بالمسئولية الملقاة على عاتقنا، ويوجب علينا أن نخرج العمل الذى عهد إلينا كأحسن ما نستطيع، كما يوجب علينا ألا نحتقر من يعمل غير عملنا، كل يؤدي واجبا، وكل لا بد من عمله لسير الأمة، فالمؤلف إنما يستطيع أن يتفرغ للتأليف لأن غيره من الناس يشتغل له في إعداد مأكله ومشربه وملبسه، وأنت إنما تتعلم وتتفرغ لتحصيل علمك لأن غيرك قد كفاك مؤونة السعي لتحصيل العيش، وهكذا الناس، كل خادم وكل مخدوم، وخير الناس أنفعهم للناس.
ولا يصح أن يسمح بالتعاون بين الأفراد أو الشركات إذا كان في ذلك ضرر بالأمة، كما يحدث في الإحتكار، فلو اتحدت شركات المياه والنور على رفع السعر حتى أرهقوا الشعب كان هذا ضربا من التعاون بين هذه الشركات، ولكنه تعاون ضار لا ترضى عنه الأخلاق، إنما ترضى الأخلاق عن أنواع من التعاون تزيد في رقي الأمة، كالتعاون على حماية العمال من أرباب رءوس الأموال، وكجمعيات التأليف، ونوادي الفنون والألعاب الرياضية، وجميعات البر والإحسان، وجمعيات التعليم، فإن التعاون بين هذه الجمعيات والنقابات يزيد في سعادة الأمة ويعين على نهوضها. (12-2) التعاون بين الأمم
هناك نوع آخر من التعاون هو التعاون بين الأمم، وذلك على ضروب شتى.
من ذلك التعاون التجاري، فخيرات هذه الأرض قد وزعت على العالم، فالبن والقطن والأرز والفاكهة والفضة والذهب والحديد ونحوها ليست مجموعة في بقعة واحدة، وإنما يكثر في أمة بعض الأشياء ويقل البعض الآخر وهكذا، فتحتاج الأمم إلى التعاون وتبادل ما بينهم من الخيرات، ولو أن كل أمة قصرت حياتها على ما عندها من خيرات لا تخمت في بعض الأنواع، وأحست بالجدب والفقر في البعض الآخر، ولم تستطع - على العموم - أن تعيش عيشة سعيدة، فبهذا التبادل تتعاون الأمم على السعادة، ولذلك كان من السخافة أن تعمد أمة إلى إفناء أمة أخرى إذ يكون مثلها مثل تاجر يعمد إلى إحراق منزل عميله.
كذلك تتعاون الأمم في نشر الحضارة، ولعل أوضح مثل لذلك اليابان، فقد رأت حاجتها إلى اقتباس المدنية الغربية فأرسلت البعثات إلى الممالك المختلفة لتدرس نظمها، وكانت النتيجة أن نظمت بحريتها على نمط البحرية الإنجليزية، وجيشها على النمط الألماني واقتسبت آلاتها من النمط الأمريكي أحيانا والإنجليزي أحيانا وهكذا.