فإذا بدأ فقد قطع شوطا بعيدا للنجاح، بعد ذلك يجب أن يستمر، وإنما يستمر بالعزم القوي الثابت، ويشجعه على ذلك أن يكون العمل الذى يختاره في الحياة عملا يتفق ونفسه، أعني أن يكون عنده استعداد له وميل إليه، يشعر منه بفائدة ولذة، فأكثر أسباب الملل، يرجع إلى سوء اختيار العمل. (11-1) أوقات الفراغ
إن استعمال أوقات الفراغ استعمالا حسنا من أهم مسائل الحياة التي يجب العناية بها والتفكير فيها، فإن أكثر أعمارنا تذهب سدى لأنا لا نعرف كيف نستعمل أوقات الفراغ، يقضيها الأطفال في الحارات والشوارع بلا فائدة، ويقضيها الشبان والشيوخ على «القهوات» حيث لا هواء نقيا ولا منظرا حسنا ولا رياضة بدنية ولا فكرية - أوقات طويلة تذهب في كلام لا قيمة له، أو لعب لا يفيد، ولا يقصد منه إلا «قتل الوقت» - وأثر ذلك في أوقات العمل كبير، فمن لم يعرف كيف يلهو لم يعرف كيف يجد.
لعل من أهم الأسباب لذلك قلة الأندية للرياضة البدنية في الأحياء المختلفة، ففي أكثر الأحياء لا تجد مكانا يرتاض فيه إلا الشارع «والقهوة». يجب أن تكون أندية اللعب والحدائق والمكاتب في كل حي من الأحياء.
أضف إلى ذلك أن جهل الأمة وعدم تربيتها تربية صحيحة يفسد ذوقها، وهذا هو السبب في أنك تجد «القهوة» والروضة والمكتبة والملعب في حي واحد ثم تجد «القهوة » وحدها هي العامرة بالزائرين.
وسبب ثالث وهو أن فقدان السعادة المنزلية في بيوتنا جعلنا نفر من البيوت - التي كان يجب أن تكون أعز شيء عندنا - إلى الأندية العامة نمضي فيها أنفس أوقاتنا. وسبب فقدان السعادة المنزلية يرجع في الأغلب إلى انتشار الفقر وجهل الزوجين، وعدم معرفتهما «فن الحياة». (12) التعاون
التعاون نوعان: تعاون بين أفراد الأمة الواحدة، وتعاون بين الأمم (12-1) التعاون بين أفراد الأمة الواحدة
الإنسان مدين بحياته ووجوده للمجتمع، فلولا اجتماع أبويه وتعاونهما ما وجد ولا تربى، وليس يستطيع بعد أن ينقطع عن العالم ويتجرد من كل ما كسبه منه، فهو حتى لو عاش في جزيرة وحده، إنما يستعمل - في تحصيل رزقه وصيد الحيوانات التي حوله - الآلات التي علمه إياها المجتمع، بل هو لو لم يتخذ معه آلات ولا كساء فإنما يجمع ما يقتاته وينسج ما يلبسه بمعلومات هو مدين بها لمجتمعه، فالتعاون بين الأفراد لا بد منه للحياة، وكلما تقدم الناس في الحضارة كانت حاجتهم إلى التعاون أشد، ويظهر ذلك جليا إذا قارنت بين سكان القرى وسكان المدن، فالفلاح يزرع، وهو يطحن ويخبز، ولا يستعين على ذلك إلا بأهل بيته، وقد ينسج ملابسه بنفسه من صوف غنمه، ويربى أولاده في حقله، وعلى الجملة فمطالب الحياة لديه بسيطة قليلة، يقوم في أكثرها بنفسه وأهله، أما ساكن المدن فمحتاج إلى مخبز يعد له الخبز، ولبان يحضر له اللبن، وفي ملابسه يحتاج إلى مراكب تستورد له ملابسه من الخارج، وخياط يخيطها له، ومدارس تربي أولاده، وترام أو سيارات ينتقل عليها، وجرائد يقرؤها، ونحو ذلك من المطالب التي يستغني القروي عن كثير منها.
وكثرة الحاجات والمطالب، وشدة الحاجة إلى التعاون، ألجأت الناس إلى توزيع الأعمال، وتخصيص كل طائفة لعمل، وتعاون كل طائفة من العمال مع الأخرى.
أنظر - مثلا - إلى الكتاب الذى تقرؤه، فقد اشترك فيه ألوف من العمال قبل أن يصل إلى يدك، وتعاون عليه طوائف من الصناع كل طائفة تخصصت لعمل، فطوائف لصنع الورق قد تخصصت كل جماعة لنوع من صناعته، هؤلاء لعجينته، وهؤلاء لصقله وهكذا، والمؤلف الذى ألف الكتاب قد اشترك في إعداده للتأليف جماعة كثيرون، ربوه وأعانوه وعلموه حتى استطاع أن يؤلف، وإذا نظرت إلى المطابع التي طبعت الكتاب اتسع مجال النظر، فكم من الصناع اشتركوا في صنع آلات الطباعة! وصنع الحبر، وصنع الحروف! وكم من العمال صفوا الحروف ثم طبعوها! وهكذا، ولولا هذا التعاون بين طوائف العمال ما وصل الكتاب إلى يدك.