وكذلك تتعاون الأمم في الإختراع والإستكشاف فالإنجليز أمدوا العالم بالآلات البخارية، وأمريكا وصلت إلى درجة عظيمة في استعمال الكهرباء، وعنها أخذ العالم، والكيمائيون الألمان اخترعوا كثيرا من عجائب الكيمياء، والفرنسيون استكشفوا كثيرا من ميكروبات الأمراض، ونجحوا في وصف علاجها، ولما اتجهت الأذهان لترقية الطيران تسابقت الأمم المختلفة، كل يدخل عليه نوعا من التحسين، وكل يريد الفوز والغلبة، وكل يستفيد مما يدخله الآخر من الإصلاح.
كذلك الشأن في العلوم والآداب والفنون، يظهر فيلسوف كبير في أمة فتنتفع الأمم الأخرى بعلمه، وتظهر رواية جميلة أو قطعة موسيقية ممتعة فتمثل أو توقع في الممالك الأخرى، حتى يكاد يكون العالم أو الأديب أو الفنان عالميا، نتاجه للأمم كلها لا لأمته.
وتبادل الآراء نوع من التعاون، فالأمة ترسل بعثاتها إلى الأمة الأخرى تدرس آراءها وتستفيد منها، كالذي ترى في المؤتمرات، تعقد لمختلف الموضوعات، كمؤتمر التربية، ومؤتمر التاريخ، ومؤتمر الجغرافيا، ونحو ذلك، يجتمعون من عدة أمم فيتبادلون الأفكار، ويستفيد كل مما وصل إليه بحث الآخرين.
وتتعاون الأمم على ما يصيب إحداها من الكوارث، فزلزال مسينا، وثوران البراكين، ونحو ذلك يحل بالأمم أعظم المصائب، فتتعاون الأمم على درء الشر، وإغاثة المنكوبين، بما يتبرعون به من مال ورجال.
ومن مظاهر هذا التعاون ما كان بين الحكومات، فالمعاهدات بين الأمم في تبادل البريد والتلغرافات ونحو ذلك أثر من آثاره، وكذلك تعاقد حكومات الأمم المختلفة على منع تجارة الرقيق، ومحاولتهم الآن التعاون على نقص التسليح، والعمل على منع الحرب، وإحلال عصبة الأمم محل تحكيم السلاح، وإن كان ذلك مما لا يزال أملا يرتجى. (13) خلاصة
وبعد، فهذه الفضائل وأمثالها لا يرقى الإنسان في اكتسابها إلا بأمرين:
الأول:
محاسبة النفس وسؤالها من حين إلى حين في أية فضيلة ارتقيت وفي أيتها ضعفت، هل أنا اليوم أصدق منى أمس، وإلى أية درجة نجحت في إلتزامي الصدق، بهذا الإمتحان ونحوه يستطيع الإنسان أن يتتبع نفسه ويراقبها في سيرها.
إذا رأيت نفسك تغضب كل يوم فاجتهد أن يمر يوم لا تغضب فيه، ثم اجتهد أن يمر يومان فثلاثة، فإذا نجحت في مرور أيام لم تغضب فيها فتصدق بصدقة شكرا لله على تقدمك في النجاح في كسب هذه الفضيلة، وانتقل إلى غيرها وهكذا.
الثاني:
الإرادة القوية المسيطرة على النفس، فالإرادة قابلة للتمرن، ومثلها مثل من يبتدئ في ركوب دراجة (بسكليت) فهو في أول أمره يختل توازنه، ولا يستطيع أن يسيطر عليها، يعلم ما يريد ولكن لا يستطيع أن يصرفها كما يريد، وبالتدريج والمرانة تطيعه الدراجة، وتنتظم حركته، وتصبح تحت سلطته، ويسير في سهولته سيرا آليا.
وهذا هو ما ينبغي في سيطرة الإنسان على نفسه، يكون لإرادته من القوة ما تستطيع به أن توجه النفس إلى ما تعتقد من خير وصواب.