تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما فات من الزمن لا يعود، فالصبا إذا فات فات أبدا، والشباب إذا مر مر أبدا، والزمن المفقود لا يعود أبدا.

وإذا كان محدودا وكان لا يمكن أن يمد فيه أو يقصر، وكانت قيمته في حسن إنفاقه، وجب أن نحافظ عليه ونستعمله أحسن استعمال.

وليس للانتفاع بالزمن والمحافظة عليه إلا طريق واحد، هو أن يكون لك غرض في الحياة ترضى عنه الأخلاق فتنظم زمنك للوصول إليه.

وإنما يضيع الزمن بأمرين:

الأول:

ألا يكون للإنسان غرض يسعى إليه، قال عمر بن الخطاب: «إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللا، لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة» - فما أضيع زمن قارئ يقرأ ما يقع في يده من الكتب من غير أن يكون له غرض معين، كبحث موضوع خاص أو دراسة مسألة خاصة - وما أتعب من يمشى في الطريق لا لغرض، يسير من شارع لشارع ويتنقل من حانوت لآخر لا لغرض معين - وتحديد الغرض يوفر من الزمن الشيء الكثير، ويسير الإنسان في الحياة على هدى، كلما صادفته أمور عرف كيف ينتخب منها ما يغذي غرضه، ويتجنب ما لا يتفق معه، إن الذين لا يحددون أغراضهم ويتركون الزمن يمر عليهم كما يمر على الجماد قلما يصدر عنهم خير كبير أو يأتون بعمل عظيم، والإنسان بلا غرض كالسفينة في البحر بلا مقصد.

ويلاحظ أن أكثر الناس عملا أوسعهم زمنا، ذلك لأنهم محدودو الغرض، فهم يوجهون أعمالهم لنيله، ولا يصرفون زمنهم في التردد والإختيار، ولا يكونون كرة في يد الظروف تلعب بهم كما تشاء، بل هم الذين يخلقون الظروف ويتصرفون فيها حسب أغراضهم في الحياة.

الثاني:

مما يضيع الزمن أن يكون للإنسان غرض محدود ولكنه لا يخلص لغرضه، فلا يجد للوصول إليه، ولا يعمل ما يتفق معه.

عدم الغرض وعدم الإخلاص له هما اللصان اللذان يسرقان الزمن ويضيعان فائدته.

ومن نتائج هذين العدوين التأجيل، وعدم الدقة في مراعاة الوقت المحدود للعمل، وعدم المواظبة - فتأخر دقائق عن البدء المحدد معناه ضياع دقائق من وقت العمل، وذلك يؤدي إلى إحدى نتيجتين: إما الإسراع في العمل وعدم الدقة فيه ليعوض الزمن الفائت، وإما التعدي على أوقات خصصت لواجبات أخرى - ومن هذا النحو تأجيل العمل إلى وقت غير وقته، فالعمل المؤجل قلما يعمل، وإذا عمل فقلما يعمل بإتقان كما إذا كان في وقته.

وليس يتطلب الإنتفاع بالزمن أن نعمل باستمرار، وألا نترك وقتا للراحة، وإنما يتطلب أن نستعمل أوقات الراحة والفراغ استعمالا يجعلنا أقدر على العمل، فإذا صرفنا وقت الفراغ في كسل وخمول لم ننتفع به ولم يفدنا في العمل، وإذا نحن صرفناه في لعب مفيد أو في رياضة بدنية أفادنا ذلك في عملنا، وأنالنا من القوة ما نستطيع أن نخدم بها غرضنا، وكان هذا تدبيرا واقتصادا.

الزمن هو المادة الخام للإنسان، كالخشب الخام في يد النجار والحديد في يد الحداد، فكل يستطيع أن يصوغ منه حياة طيبة بجده، وحياة سيئة بإهماله، ولأجل أن نجعل لحياتنا قيمة يجب أن نقضي أوقاتنا فيما يتفق وأغراضنا.

ومما يعين على الإنتفاع بالزمن أن نعرف - بعد تحديد الغرض - هاتين المسألتين: (1)

كيف نبتدئ العمل. (2)

وكيف نستمر فيه حتى ننتهي منه.

لعل من أشق الأشياء معرفة الإنسان كيف يبتدئ عمله، وكثير من الزمن يذهب سدى في التفكير في ذلك - ترى الطالب يريد مذاكرة دروسه فيفكر بم يبدأ، فيرى أن يبدأ بالعلوم الرياضية مثلا، ويشرع في ذلك ثم يستصعبها فيشرع في غيرها وهكذا، فهو يصرف زمنا طويلا قبل أن يبدأ بجد - أضف إلى ذلك أن بدء الشيء صعب عادة لعدم المران، أو لأنه انتقال من راحة لذيذة إلى عمل يشق عمله.

وعلاج الأمر الأول - وهو بم يبدأ - أن يفكر - قبل العمل - في أولى الأشياء بالبدء، ويدرس وجوه الترجيح ثم يرتب ما يليه وهكذا، ثم يعزم عزما قويا لا يشوبه تردد، ولا يسمح لنفسه بتغيير ما عزم عليه مهما صادفه من الصعوبات، أما من يرى أن البدء صعب عليه ويرى نفسه منصرفة عن العمل فما يفيده في ذلك أن يقرأ فصلا من كتاب يشجعه على العمل، أو قطعة من الشعر تثير ميله إلى الجد وتعيد إليه نشاطه، أو يستحضر في ذهنه نتائج الكسل والجد، أو يتذكر أشخاصا جدوا فنبغوا في الحياة.

كتاب الأخلاق · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كتاب الأخلاقص ٥٢