ولنذكر الآن أهم الواجبات: (2-1) الواجبات على الإنسان لله
في العالم قوة خفية تحركه، وتدير شؤونه، هي علة وجوده وبقائه، وهي سر ما نشاهد من نظام دقيق وقوانين لا تتخلف، وظواهر تتتابع بانتظام، نجوم قد دق نظام سيرها
لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون
وفصول تتعاقب بدقة تستخرج العجب، ونباتات وحيوانات جلت حياتها عن الوصف - هذه القوة هي لله رب العالمين.
لهذه القوة نحن مدينون بكل شيء لنا، بحياتنا وبصحتنا وبحواسنا وبكل ملاذ الحياة وصنوف النعيم.
فواجب علينا حبه وإجلاله وشكره، نحبه لأنه مصدر كل خير لنا، وهو الذي يمدنا من قدرته بكل ما لنا من وجود وقدرة، ونحبه لأنه الموجود الكامل الذى لا حد لكماله، ونحبه لأن من طبيعتنا أن نحبه، فكل إنسان على الفطرة يشعر بحنين إلى إله يفزع إليه عند الشدائد، ويتضرع إليه في كشف السوء عنه، ويجد في الإلتجاء إليه سلوة وأسى عند المصائب، ومشجعا على العمل وباعثا على التضحية إذا دعا الواجب.
ومن آثار حبه التعبد بأشكال العبادات المختلفة، فإنها خير ما تكون إذا دعت إليها حرارة الحب وكانت مظهرا من مظاهر الإخلاص لله والطاعة له، وإلا كانت مجرد حركات وصور وأشكال لا روح لها.
وإن من أحسن أنواع الشكر لله الخضوع لقوانين الأخلاق والعمل بما تقتضيه، ذلك لأن الله خلق هذا العالم وجعل سعادته مرتبطة بأشياء من صدق وعدل وأمانة ونحوها، وشقاءه وفناءه في أضدادها، ثم أمر بما يوصل إلى السعادة وسماه خيرا، ونهى عما يجلب الشقاء وسماه شرا، وتلك الأمور التي توصل إلى السعادة هي بعينها قوانين الأخلاق، فمخالفها عاص لأمر الله جاحد لنعمه، ومطيعها مطيع لأمره مؤد لواجبه.
إذا امتلات النفس عقيدة بما قدمنا - من أن قوانين الأخلاق هي أوامر الله - صدرت الأعمال عنها ممزوجة بقوة تجعلها أقوى أثرا وأكثر نفعا، ولذا ترى أن أكثر من اندفعوا لنصرة الحق وتشددوا في التمسك به أو قدموا أنفسهم فداء للفضيلة كانوا ممتلئين عقيدة بالله ووجوب طاعته، ألهبتهم حماسة رغبة في رضاه وشوق إلى لقائه. (2-2) واجب الإنسان نحو نفسه
يجب على الإنسان نحو نفسه أن يكمل ذاته جسميا وعقليا وخلقيا، فهو مكلف أن يرعى هذه الأمور الثلاثة (جسمه وعقله وخلقه) وأن يبلغ بها ما يستطيع من كمال، ولنذكر كلمة نوضح بها ما يجب في كل ناحية من هذه النواحي الثلاث.
الناحية الجسمية:
كان الإنسان أول أمره يعيش عيشة ساذجة، يخرج إلى الجبال أو يتجول في الغابات يجمع ما يقتاته في يومه، ولم يكن إذ ذاك مكلفا بهذه الفروض الكثيرة التي قيدته بها المدنية، فلا زراعة ولا تجارة ولا تخصص في عمل، فلما أرتقى وعاش عيشة المدنية سببت له ضعفا في صحته، لأنه حرم الإقامة طويلا في الهواء الطلق، وعوض عنها عيشته في منازل لاتستوفي شرائطها الصحية، وبالغ في أسباب الترف والرفاهية، واعتاد كثيرا من العبث كالتدخين ونحوه، وأجهد نفسه في العمل رغبة في جمع المال ليسد به المطالب الكثيرة للمدنية، كل هذا ونحوه أثر في صحة المتحضر فكان أضعف جسما وأقل احتمالا للجهد، اعتبر ذلك في الحيوانات، فإن الطيور وأنواع الحيوان التي تغلب عليها الإنسان فحبسها في قفص أو في منزل واستخدمها في شؤونه أسرع إليها الذبول وكانت عرضة لكثير من الأمراض.
إن جسم الإنسان آلة كسائر الآلات يجب لبقائها وقدرتها على أداء العمل أن تغذى الغذاء الصالح لها وأن يعنى بها، يجب للجسم الهواء النقي والغذاء الصالح والرياضة والإعتدال في العمل.
وإن سوء الصحة أكبر تلف يصيب الإنسان، فهو يضعف قدرته على العمل، ويختصر حياته، ويفسد شعوره، وفي كثير من الأحيان يكون ضعف البدن سببا في سوء الخلق وملل العقل وعدم قدرته على الإنتاج.