تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن صحة البدن هي أساس كل ما له قيمة في الحياة من مال وحياة ومتاع، ومما يستوجب الأسف أن هذه الصحة لا تقدر تقديرا صحيحا إلا بعد ضياعها أو تعرضها للخطر، وأن كثيرا من الناس لا يراعون قوانين الصحة إلا إذا ألجئوا إلى ذلك بسبب ضعفهم، وكان أسهل أن يقوا أنفسهم من الضعف قبل حصوله.

لا يستطيع الإنسان أن يكون إنسانا كاملا ناجحا في الحياة نجاحا حقا إذا كان مريضا أو ضعيف الجسم، وأقدر الناس على الإنتاج أطولهم عمرا في صحة، نعم إن كثيرا من عظماء الرجال كانوا مرضى، ولكنهم من غير شك كانوا يكونون أكثر إنتاجا وأصح نظرا وأعظم خيرا لأمتهم وللعالم لو كانوا أحسن صحة، ونجاح هؤلاء مع مرضهم دليل على أن قوتهم العقلية أو الخلقية غير عادية حتى استطاعوا أن يأتوا بما أتوا به على الرغم من مرضهم.

مرض البدن أو ضعفه ذو أثر كبير في الخلق، فمن العسير أن يكون إنسان كامل الخلق وهو ممعود أو مكبود أو ضعيف الأعصاب، إنك تراه غالبا ضيق الخلق غضوبا يائسا متبرما بالحياة، وكثيرا ما يسائل نفسه: هل هذه الدنيا تساوي شيئا، وينشد مع أبي العلاء قوله:

تعب كلها الحيا

ة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد

فخير إجابة لهذا أن يقال له: أصلح معدتك أو كبدك أو أعصابك تر أن في الدنيا ما يسر، وأن فيها ما يحبب الحياة.

إن تضخما قليلا في بعض غدد المخ يجعل من الصعب على الإنسان أن يعبر عن فكره، وصدمة لموضع من مواضع المخ تجعل الإنسان معتوها، واختمارا في المعدة يحول كل جميل سار في الحياة إلى قبيح مؤلم، وأخذ ملعقة من دواء يزيل هذا الإختمار يحول العالم في نظره إلى ما كان عليه من بهجة وسرور.

كان «كارليل» ممعودا، فقال صديق له مساء يوم مشيرا إلى السماء: ما أجمل هذا المنظر! إنه يبعث الحكمة إلى نفس الإنسان، فأجابه «كارليل»: إنه لا يبعث عندى إلا الأسف والحزن وقال مرة: «إن تسعة أعشار بؤسي وأكثر من تسعة أعشار أخطائي يرجع إلى اضطراب معدتي» ومثل ذلك كثير، مما يدل على ما لحالة البدن من تأثير كبير في العقل والخلق.

إزاء هذا كان واجبا على الإنسان السعي في أن يكون صحيحا وقويا، وذلك بأن يتخير من العادات في أكله وشربه وتنفسه واستحمامه وعمله ما يؤثر أثرا حسنا في صحته، وألا يفرط في غذاء عقله على حساب جسمه.

يقول بعضهم: «من مرض فقد أجرم» وهذا صحيح في كثير من الأحيان، لأن كثيرا من الأمراض يمكن اتقاؤه باعتياد النظافة والإعتدال في المأكل وانتظام المعيشة ونحوها، كما أن كثيرا من الأمراض يمكن الوقوع فيها باعتياد أضدادها.

الناحية العقلية:

يخرج الإنسان إلى هذا العالم جاهلا بكل شيء ثم يتعلم ما استفادته الأجيال قبله بتجاربهم وممارستهم للعالم الذي حولهم، وأمام كل إنسان طائفة كبيرة من الحقائق ينبغي أن يتعلمها.

وأول ما ينبغي أن يتعلمه تمرين حواسه حتى يكون ما تدركه صحيحا، فإن المواد الأولى للمعلومات إنما تأتي من طريق الحواس - السمع والبصر والشم والذوق واللمس ونحوها - فيجب أن يكون إدراكنا الذي ينشأ عنها صحيحا، ولا يكون ذلك إلا بتمرينها وتعويدها أن تكسبنا المعلومات الحقة من نفسها لا من طريق التلقين - يجب أن يمرن الإنسان حواسه حتى يعرف بالتقريب طول الحجرة إذا نظر إليها، ووزن الشيء إذا وضعه في يده، وكم ميلا مشى، وما منزلة الصوت في القوة والضعف، وأن يكون دقيق الملاحظة فيعتاد إذا نظر إلى شيء ثم غاب عنه أن يعرف أوصافه حتى يستطيع أن يحدثك عنه في جلاء ووضوح - كل هذه الأمور تفيد عقله فائدة كبيرة، لأن كثيرا من الأخطاء العقلية ناشئ من الخطأ في المعلومات الحسية، وهذه ناشئة من إهمال الحواس وعدم تمرينها في مبدأ الحياة.

إن كسب الإنسان معلوماته بنفسه من طريق حواسه أولا ثم من طريق عقله ثانيا خير من معلومات يجمعها من الكتب من غير اختبار شخصي.

كتاب الأخلاق · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كتاب الأخلاقص ٢٨