تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يجب أن نؤدي الواجب لأنه واجب، نؤديه إطاعة لضميرنا، لا طمعا في ربح نناله، ولا رغبة في شهرة نحصلها، إن الذين يفعلون لك الخير لما يرجون منك من الخير تجار يبيعون اليوم ما يقبضون ثمنه غدا - إنما مثلنا الأعلى أن نصل من الرقي إلى حد أن نتلذذ من أداء الواجب ووصول الخير إلى الناس كما نتلذذ من وصول الخير إلينا، ونردد مع أبي العلاء قوله:

فلا هطلت علي ولا بأرضي

سحائب ليس تنتظم البلادا

بل مع البارودي قوله:

أدعو إلى الدار بالسقيا وبي ظمأ

أحق بالري لكنى أخو كرم

وكثيرا ما يكلفنا القيام بالواجب مشقات ينبغي أن نتحملها، ويتطلب منا تضحية يلزمنا تقديمها، فالقاضي العادل قد يضطر إلى الحكم على صديقه أو قريبه فيؤلمه ذلك، وقد يحمله حب العدل على إغضاب أفراد أو هيئات مختلفة فيعرض بذلك نفسه لأنواع شتى من الآلام، والجندى يقدم حياته عند الخطر فداء لأمته، ورئيس السفينة إذا عطبت يجب أن يبقى في السفينة حتى ينتقل جميع من فيها إلى قوارب النجاة، وإعلان الإنسان رأيه وتمسكه بمبدئه قد يبعده عن منصب ويحرمه من فائدة، وفي جميع ذلك يجب أن نتحمل التضحية - مهما آلمت - عن رضا وارتياح، ويجب أن نعد مكافأة الضمير فوق كل مكافأة.

ولكن يجب هنا أن ننبه إلى أمرين كثيرا ما يخطئ الناس فيهما:

الأول:

أن التضحية ليست مقصودة لذاتها، ولا يصح أن تكون غرضا يريد الإنسان تحصيله، فهي ليست إلا ألما محضا ينبغي الفرار منه إلا إذا استتبع خيرا، فما يفعله بعض الزهاد - من الإمتناع عن الأكل إلا النزر اليسير، وحرمان النفس من التمتع بما أحله الله، ولبس الخشن من الثياب لا لغرض إلا طلب المثوبة بهذا الشقاء - خطأ لا يرضى عنه عقل ولا دين، وقد عاب رسول الله

صلى الله عليه وسلم

من نذر أن يصوم قائما في الشمس فأمره بإتمام صيامه ونهاه عن القيام في الشمس، لأن الله لم يضع تعذيب النفوس سببا للتقرب إليه، وليست المشقة نفسها سببا في رضا الله، وإنما رضاه في عمل صالح قد يستلزم المشقة، وليس بصحيح قول الناس: «الثواب على قدر المشقة» إذا أخذ على عمومه، إنما يكون صحيحا إذا كان العمل المقصود عملا خيرا لا يمكن أن ينال إلا بمشقة، فالتضحية ليست خيرا في نفسها، ولكن إذا كان الواجب لا يمكن أداؤه إلا بالتضحية وجبت التضحية.

الثاني:

ليس لأداء أي واجب تقدم أية تضحية، بل لا بد أن يوازن بين الواجب والتضحية، فليس صوابا أن يضحي الإنسان بحياته ليرتاح من ألم أسنانه، ولكن خيرا أن يقلم أشجاره ليزيد ذلك في ثمارها، فمتى كان الخير الذى نناله من العمل يرجح التضحية وجبت التضحية، كالطبيب يهجر نومه ويتعرض للتعب والبرد، لإسعاف مريض وإدخال السرور عليه وعلى أسرته، وكالعالم يهجر راحته ولذته لتأليف كتاب يفيد الناس، أو لاستكشاف يزيد في خيرهم، والجندي يضحي بنفسه لتحيا أمته، والأمثلة على ذلك كثيرة.

ومتى اقتنع الإنسان بخيرية التضحية وجبت عليه، ذلك لأنه عضو من جسم كما بينا، فليس من الحق أن يستأثر باللذائذ ويتمتع بالراحة التامة والناس من حوله ألمون متعبون، كما لا يستأثر عضو بكل الغذاء ويترك سائر الأعضاء تتضور جوعا.

وسير عظماء الرجال مملوءة بالشواهد على التضحية، ولا تكاد تجد عظيما لم يضح كثيرا، إما لنشر مبدأ يخالف فيه الرأي العام أو لانقاذ أمته من ضرر يلحقها، أو لتخليص عقائد دينية مما دخل عليها من التغيير، أو لتحقيق مسألة علمية كثر فيها البحث والجدال، أو لاستكشاف نافع يزيد في سعادة الناس. وهذه التضحية هي التي تكونهم، وهي سر عظمتهم، فإن ما يبذلون في حياتهم من الجهد لتذليل الصعاب التي تعترضهم، وما يتحملونه من العناء للتغلب عليها ينمي ملكاتهم ويعودهم الصبر على المشاق لنيل أغراضهم، أما من يستسلم للنعيم ويخلد إلى الراحة فمحال أن يكون عظيما.

كتاب الأخلاق · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كتاب الأخلاقص ٢٦