تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد عرفه بعض الأخلاقيين بأنه العمل الأخلاقي الذي يبعث على الإتيان به الضمير.

وقد اختلف علماء الأخلاق في الطريقة التي يتبعونها في تقسيم الواجب، فمنهم من قسمه إلى: (1)

واجبات شخصية، أعني واجبات على الشخص لنفسه كالنظافة والعفة. (2)

واجبات اجتماعية، أعني واجبات على الشخص لمجتمعه، كالعدل والإحسان. (3)

واجبات إلهية، كالطاعة وأداء العبادات.

وهذا التقسيم غير محدود، فكل واجب يمكن رجوعه إلى أي قسم من هذه الأقسام الثلاثة تبعا لاختلاف النظر، فالنظافة مثلا واجب شخصي من حيث ما يترتب عليها من صحة بدن الإنسان وراحته، واجتماعي إذا لاحظنا أن صحته تؤثر في حالة المجتمع، وإلهي إذا نظرنا إليها من جهة أنها تنفيذ لأمر إلهي.

وقسم آخرون الواجب إلى قسمين: (1)

واجبات محدودة يمكن أن يكلف بها الأشخاص على السواء من غير تنويع، ويمكن أن توضع في قانون الأمة، مثل لا تقتل ولا تسرق، ويمكن أن توضع بجانبها عقوبات لمنتهكها، وهذه يشترك في طلبها القانون والأخلاق. (2)

واجبات غير محدودة، وهذه لا يمكن أن توضع في قانون الأمة، وإذا وضعت سببت ضررا أكبر، ولا يمكن أن يعين المقدار المطلوب منها، كالإحسان فإنه يختلف المقدار الواجب منه باختلاف الزمان والمكان والظروف المحيطة بالشخص.

والقسم الأول يشمل الواجبات الأساسية التي يتوقف عليها بقاء المجتمع وبإهمالها لا يصلح حاله، والقسم الثاني يشمل الواجبات التي عليها رقي المجتمع ورفاهيته، ومن أجل هذا قيل: إن النوع الثاني أرقى من الأول وأعلى منه شأنا، لأن الأول ينفذه القانون والثاني ينفذه الضمير، كالعدل والإحسان، فالعدل من القسم الأول وعليه يتوقف المجتمع، والإحسان من النوع الثاني وهو لا يكون حتى يكون العدل، فالعدل الدعامة والإحسان مشيد فوقه.

1

والواجبات على الناس مختلفة متنوعة، فكل حالة من حالات الحياة تقتضي واجبا معينا، والناس في هذه الدنيا كبحارة السفينة، وكجنود الجيش، لكل عمل وعلى كل واجب، على اختلاف بينهم فيما يجب عليهم، ذلك لأن الناس مختلفون من وجوه عدة: (1)

بحسب الثروة فمنهم غني وفقير وبين ذلك. (2)

وبحسب الرتب فخاصة وعامة. (3)

وبحسب العمل، فمنهم من عمله عقلي كالقاضي والمدرس، ومنهم من عمله يدوى كالنجار والحداد إلى كثير من أمثال ذلك - وهذا ينتج خلافا في الواجبات، فما يجب على حاكم غير ما يجب على أحد الرعية، وما يجب على غني غير ما يجب على فقير. وعلى كل إنسان كائنا ما كان أن يؤدي واجبه. ولا يستصغرن أحد ما يجب عليه. فكثيرا ما تتوقف كبار الواجبات على صغارها، فمثلا لا يصح أن نعد عمل الكناسين في الشوارع والأزقة واجبا تافها حقيرا، فإن عليه تتوقف حياة كثير من الناس وحسن صحتهم، وليس هذا بالأمر الهين، وأن كسر قطعة صغيرة في سفينة قد تؤدي إلى غرقها كما قد يؤدي إلى ذلك فقد سكانها (دفتها) وضياع مسمار صغير في ساعة قد يؤدي إلى وقوفها كضياع «الزمبلك». (2) التضحية لأداء الواجب

على كل إنسان أن يؤدي واجبه، ذلك لأن الإنسان في هذه الحياة لا يعيش لنفسه فحسب، بل يعيش له وللناس، وأداء الواجب يؤدي إلى هذه السعادة، فالتلميذ الذي يؤدي واجبه لأسرته ومدرسته يسعد والديه، والأغنياء بتأديتهم ما عليهم من بناء للمستشفيات وتبرع للجامعات ونحوها يزيدون في سعادة الأمة، وعلى العكس من ذلك السارقون والسكيرون، فإنهم بإهمالهم الواجب عليهم وعدم إطاعتهم قوانين بلادهم يزيدون في شقاء الناس وتعاستهم - ولا يبقى العالم ويرقى إلا بأداء الواجب، ولو أن مجتمعا قصر في أداء كل واجباته أياما لفنى، فلو أن المدينين لم يؤدوا ديونهم، ورفض طلبة المدارس أن يتعلموا، ولم يؤد أفراد الأسرة واجبهم، ورفض كل ذي عمل أن يؤدي عمله لحاق بالمجتمع الفناء العاجل - وبقدر قيام الأفراد بواجبهم يقاس رقي الأمة.

كتاب الأخلاق · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كتاب الأخلاقص ٢٥