تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأوضح المثل لاشتراك الأمة في المنافع والمضار المثل الجغرافية، فخزان أسوان - مثلا - بقعة من بقاع القطر المصري؛ يؤثر في سعادة مصر جميعها، فيصرف المياه بقدر حسب الحاجة إليها، ولو تهدم ولم يؤد عمله لتضرر القطر المصري جميعه لا أسوان وحدها.

والمدارس العليا في القاهرة لم تنشأ لمنفعة القاهرة فحسب، بل أنشئت لمصلحة مصر كلها، يتعلم فيها أبناؤها من مختلف الأنحاء.

بل تأمل في كل طائفة من طوائف العمال كعمال السكك الحديدية وعجلات النقل ترى أن أعمالهم مرتبطة ارتباطا وثيقا بأعمال غيرهم، واعتبر ذلك في أوقات اعتصابهم، كيف يعطل كثير من الأعمال، ويتأذى كثير من الناس.

وعلى مثال ما قدمنا يمكن القول بأن الأمة كلها يلحقها ضرر بليغ من وجود عدد كبير من أفرادها يشتغلون في معامل غير صحية، ويسكنون في أزقة قذرة، لا يصل إليها هواء نقي، ولا تطهر مساكنها أشعة الشمس، فتضعف صحتهم، وتقصر آجالهم، ويكثر العجز فيهم، فلا يستطيعون أداء أعمالهم حق أداء، ويصبح كثير منهم عالة على الأمة، يأكلون من عمل غيرهم، فهم عضو مريض عاجز في جسم حي، وكذلك الشأن في الأمة إذا كثر فيها عدد الجاهلين أو السكيرين، ومحال أن يكون جسم الأمة صحيحا وفيها يكثر المقامرون أو المدمنون.

وكما أن كل عضو في الجسم ينفع سائر الأعضاء وينتفع منها، ويضر سائر الأعضاء ويتضرر منها، كذلك الحال في جسم الأمة، فالمتعلمون مثلا ينتفعون من الأمة بمالها وسعيها لتنتفع الأمة منهم بعد بعلمهم وعملهم، وهكذا كل طائفة من طوائف العمال، فالمعلمون والنجارون والمزارعون والتجار وغيرهم أعضاء يكونون جسم الأمة، وكل فرد عضو في أمته، يؤثر فيها أثرا صالحا أو سيئا، فالمدرس الصالح يبث في روح تلاميذه أخلاقا صالحة، ويجعلهم أقرب إلى الخير، وغيرهم يقتدى بهم، والقاضي العادل يعدل بين الناس فيأمنون على حقوقهم، ويثق ذو الحق بأنه سيصل إلى حقه ويخاف المجرم من عقوبة الإجرام فيبتعد عنه، ويجد العامل في عمله لأنه يعلم أن نتيجة سعيه له، وأنه إن اغتصب حقه فالقضاء كفيل برده إليه، وعلى العكس من ذلك القاضي المرتشي.

ولا يخلو إنسان من أثر في الأمة وإن لم تره عيوننا، كالشعرة لها ظل وإن لم تدركه أبصارنا، فإذا ضم إليها شعرات كان الظل جليا واضحا، وهذا الأثر يختلف تبعا لاختلاف درجات الناس في الصلاح والفساد، ومقياس رقي الأمة وانحطاطها مجموع عمل أفرادها.

بل قد تجلى للباحثين في الأيام الأخيرة أن الناس كلهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم ودينهم جسم عضوى واحد، فكل أمة تؤثر في الأمم الأخرى وتتأثر بها في صنائعها وعلومها وأخلاقها، فليست أمة من الأمم غنية بمعادنها وصنائعها وعلومها عما حولها، بل ترى أن الله قد قسم الخيرات على العالم، فأمة غنية بالحبوب ولكنها في حاجة إلى المعادن، وأخرى على العكس منها وهكذا، وكل ينفع وينتفع.

الناس للناس من بدو وحاضرة

بعض لبعض - وإن لم يشعروا - خدم

اعتبر ذلك في أيام الحرب العظمى تر أن كل أمة - محايدة كانت أو محاربة - قد أصابها الضنك بسبب حاجتها إلى أشياء كانت تجلبها من الأمم الأخرى، فأصبح نيلها عسيرا.

وقد جرت هذه الحقيقة - أعني اعتبار الجنس البشري جميعه جسما واحدا وكل أمة عضوا من أعضائه - بعض الباحثين إلى النظر في الحروب التي تقع بين الأمم، وذهبوا إلى أنها ليست بسائغة، كما لا يسوغ أن يعمل عضو في جسم على إضعاف عضو آخر، وتمنوا أن لو زال مثار الخلاف بين الأمم حتى لا يكون مساغ للحرب، واقترحوا لذلك إنشاء محكمة تحكم بين الأمم، كما تحكم المحاكم بين الأفراد المتنازعين، وهذه هي المسماة «بعصبة الأمم» وقال هؤلاء: إن الخلاف الطبيعي بين الأمم في الأخلاق والعادات لا يحيل إمكان التآلف بينها، كما أن الاختلاف بين أفراد الأسرة بالذكورة والأنوثة والشدة واللين، لم يمنع من توحدها واعتبارها جسما واحدا، ولكنهم مع هذا دعوا إلى «الوطنية» والمحافظة على «القومية» ما دامت الأمم الأخرى تدعو إليها، لأن انعدام «الوطنية» في أمة مع بقائها في الأمم الأخرى مؤذنة بزوال تلك الأمة.

كتاب الأخلاق · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كتاب الأخلاقص ١٩