وقد تقدم الناس في فهم هذه «الأخوية العامة» فاشتدت الرابطة بين الأمم، وكثر انتفاع بعضها ببعض، فامتدت السكك الحديدية بين أمة وأخرى، وكثر انتفاع بعضها ببعض، فامتدت السكك الحديدية بين أمة وأخرى، وعبرت البواخر البحار، فارتبطت الأمم برا وبحرا، وعقدت محالفات كثيرة بين الأمم المختلفة لمصلحة الناس، كالإتفاق العام على البريد والتلغراف والسكك الحديدية، ومن الأدلة على ذلك ما نراه من ميل كثير من الناس إلى توحيد المقاييس والموازين في العالم جميعه، وعقد مؤتمرات عامة تمثل فيها الأمم المختلفة للبحث في شؤون شتى علمية وصحية، إلى كثير من أمثال ذلك.
هذا هو شأن المجتمعات والأفراد، وكل فرد فيها عضو من أعضائها، ولا يخلو إنسان من ارتباطه بمجتمعات كثيرة، فكل إنسان عضو في أسرة، وفي مدينة، أو قرية، وفي أمة، وفي العالم بأسره.
ومن المجتمع يستمد الفرد كل شيء من مأكل وملبس ومسكن وعلم وخلق، ولو جرد الإنسان من كل شيء ناله من المجتمع ما بقي له شيء، فجسمه وعقله وخلقه منحة من منح المجتمع.
وكما أن العضو إذا انفصل من الجسم مات ولم تعد له حياة كاليد تفارق الجسم، والورقة تفارق الشجرة، فكذلك الإنسان إذا انفصل من مجتمعه أدركه الفناء، ولم تكن له قيمة، لأن أعمال الإنسان وأغراضه وعاداته لا تقوم إلا بالنظر إلى المجتمع، فليس الصدق خيرا ولا الكذب شرا إلا لإنسان يعيش في مجتمع، ولولا ذلك لم يكن أحدهما خيرا والآخر شرا.
الفصل السابع
| الحقوق والواجبات
(1) معنى الحق والواجب
ما للإنسان يسمى «حقا»، وما عليه يسمى «واجبا»، فإذا كان لي مائة جنيه على آخر يقال: إن لي حقا أن آخذ منه مائة جنيه، وواجب عليه أن يدفع لي هذا المبلغ.
والحق والواجب متلازمان، فمتى كان لشخص حق كان هناك واجب، بل الواقع أن كل حق يستلزم واجبين: واجبا على الناس أن يحترموا حق ذى الحق ولا يتعرضوا له أثناء فعله، وواجبا على ذى الحق نفسه، وهو أن يستعمل حقه في خيره وخير الناس، فمثلا إذا كان لي بيت فهو حق لي، وذلك يستلزم واجبين: واجبا على الناس ألا يتعدوا على هذا البيت بضرر، وأن يحترموا حقي في ملكيته وواجبا علي وهو أن أستعمل البيت في خيري وخير الناس، فإذا أشعلت فيه نارا أريد إحراقه أو آذيت الناس بايجاره لعمل مقلق للراحة لم أكن أديت ما وجب علي، وهكذا.
ولكن جهة التنفيذ في الواجبين ليست واحدة - فالذي ينفذ الواجب الأول هو القانون الوضعي - غالبا - فإذا تعدى أحد على بيتي فغصبه متى كان القانون الوضعي هو الذى يحمينى، فأستطيع أن أرفع الأمر إلى المحاكم، والقاضي يلزمه بمراعاة حقي وينفذ ما يجب عليه، أما الواجب الثاني - وهو الواجب علي في استعمال حقي على أحسن وجه - فليس الذى ينفذه هو القانون الوضعي - غالبا - وإنما يأمر به القانون الأخلاقي، ويترك تنفيذه إلى ذى الحق نفسه، وإلى الرأي العام، فلو أني هدمت بيتي وهو عامر، أو أتلفت هندسته، أو تركته مهجورا لا أسكنه ولا أسكنه لم يتدخل القانون الوضعي في ذلك، وإنما يتدخل القانون الأخلاقي، فيأمرني أن أعمل الواجب علي من استعمال بيتي لخيري وخير الناس، ويلومني إذا لم أتبع ذلك، وكذلك يلومني الرأي العام، فإذا قال القانون الوضعي: «لكل مالك أن يتصرف في ملكه كيف يشاء» فإن الأخلاق تقول: «ليس للمالك أن يتصرف في ملكه إلا بما فيه الخير له وللناس». (2) أساس الحق والواجب
لم كان لي حقوق وعلي واجبات؟ يقولون مثلا: إن لي حقا في أن أتعلم، وحقا في أن أكون حرا، وأن علي واجبا أن أرعى حقوق الناس، وأن أؤدى ما علي من الواجبات، فما الذي رتب هذه الحقوق وهذه الواجبات؟ وهلا يمكن الناس أن يعيشوا من غير حقوق وواجبات؟
أساس الحقوق والواجبات هو المعيشة الاجتماعية، فالإتصال الوثيق بين الفرد ومجتمعه الذى شرحناه في الفصل السابق هو أساس فكرة الحق والواجب، فلو أن الفرد يعيش وحده ما كان هناك معنى لحق ولا واجب، بل كان له أن يفعل ما يشاء بلا قيد ولا شرط، ولكنه لما كان عضوا في مجتمع، وكان المجتمع ككل جسم حي لا بد من أعمال للمحافظة عليه، وإذا لم تعمل تعرض المجتمع للخطر والفناء أو التدهور نشأت من ذلك فكرة الحق والواجب، فالأشياء الضرورية لبقاء المجتمع كالمحافظة على الأرواح والأموال سميناها حقوقا للأفراد في المرتبة الأولى وأوجبنا على كل فرد أن يحترمها، وأوقعنا العقوبات الشديدة على من ينتهك حرمتها، صونا للمجتمع من الفناء، والأشياء التي هي سبب في رفاهية المجتمع وكماله كالتعليم جعلناها حقوقا في المرتبة الثانية وأوجبناها وجوبا أقل من المسائل الأولى.