تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل السادس

| علاقة الفرد بالمجتمع

نرى الإنسان يصيب عضوا من أعضائه مرض فيتألم له سائر الجسد، ولا يقتصر الألم على العضو المريض، وقد ينتهي ذلك بالموت، فتسلب الأعضاء كلها ما فيها من حياة، فأعضاء الجسم كلها متضامنة، يتأثر سائرها بما يصيب أحدها، وقد حكوا أن معدة الإنسان قالت مرة: إني أهضم الغذاء كله، وأتعب في ذلك، ولا يصيبني منه إلا القليل، وقال القلب: إني أوزع الدم على سائر الجسد، ولا ينالني منه إلا قطرات، وقالت الرجل: إني أسعى في الأرض شرقا وغربا لكسب القوت، مع أن حظي من ذلك العناء قليل، وهكذا، فأضربت الأعضاء عن العمل، فبعد مدة أحست المعدة بألم الجوع، وأحس القلب بالضعف، وأدرك كل عضو أن خيره في أن يعمل له ولغيره، فعادت جميعها إلى العمل.

على العكس من ذلك نرى المجموعة من الحجارة لا رابطة بين أفرادها، ولا يحس سائر الحجارة ما يقع على حجر منها، فلو أنا أخذنا أحدها وحطمناه لم يتعد ذلك الأثر غيره.

فما كان من الصنف الأول فهو (جسم عضوي) كالإنسان والحيوان والنبات، وما كان من الصنف الثاني - ككل مجموعة من أحجار وأخشاب ونحوها - سمي (جسما غير عضوي).

فمن أى الصنفين الجمعية من الناس، كالأسرة والحزب والأمة؟

إنا بقليل من النظر نرى أنها (جسم عضوي)، ولنأخذ مجتمعا صغيرا نحلله تحليلا دقيقا لنبين منه كيف يعتمد المجموع على أجزائه والأجزاء على المجموع، ونتدرج في النظر من المجتمع الصغير إلى المجتمع الكبير.

فأصغر المجتمعات الأسرة، وهي تتكون عادة من أب وأم وأولاد وأقرب الناس إليهم، وفيها يعتمد كل فرد على الباقين، الكل يخدم الفرد، والفرد يخدم الكل، فاعتماد الأولاد على الآباء في مأكلهم وملبسهم ومسكنهم ونظافتهم وغير ذلك واضح جلي، أما الآباء فقد يعتمدون على أولادهم إذا كبروا ومست الحاجة، ولكن أهم من هذا وأكبر قيمة في نظرهم ما يشعر به الآباء من السعادة بما يرون من حب أبنائهم لهم، وحنانهم إليهم، وأن كلمة شكر صادرة من قلب أو عملا يدل على الاعتراف بالجميل من الابن لأبيه أو أمه ليدخل على قلبهما من السرور ما لا يقدر.

وانظر إلى علاقة الأولاد أنفسهم بعضهم مع بعض تر أن كل طفل في الأسرة يؤثر في الباقين ويتأثر بهم، ولو عاش الإنسان من مبدئه عيشة عزلة وانفراد لنشأ كالحيوان الأعجم، فكل طفل يتعلم من إخوانه وأخواته المشاركة في العواطف، فيشاركهم في فرحهم، ويشعر بالحزن لحزنهم، ويتعلم درس الأخذ والعطاء، فيعرف أنه يجب أن يعطي كما يأخذ، وأن يتنازل عن بعض ما يحب، ويتعلم تبادل المعونة مع الآخرين.

وفي الأسرة يتجلى ما قدمناه عن مميزات الجسم العضوي من أن الضرر الذي يصيب عضوا يتأثر به سائر الأعضاء، فالولد سيئ الخلق يحرم الأسرة كلها سعادتها، والأب السكير أو المقامر يؤثر سلوكه في معيشة أسرته فيضايقها بما يصرف من مال، وما يتبع سكره أو لعبه من إهمال لشؤون بيته، والأم الجاهلة يؤثر جهلها في حال الأسرة، فكم من ولد أصابته آفة، أو شوهت خلقته عاهة أو أدركه الموت من جراء جهل أمه، وهكذا.

كذلك الشأن في الجمعيات التي هي أكبر من الأسرة كالمدرسة، فطلبة المدرسة ومدرسوها وخريجوها جسم عضوى، يستطيع كل فرد منهم بعمله الشخصي أن يرفع من شأن المدرسة، أو يحط من قدرها، والصورة التي في أذهان الناس وقيمتها عندهم نتيجة سيرة طلبتها.

والحزب من الأحزاب يأتي فرد من أفراده عملا مجيدا فيمجد الحزب ويعلي مقامه، وكذا العكس، وقيمة الحزب أو المدرسة حاصل جمع ما يأتي به الأفراد من الأعمال.

والأمة أسرة كبيرة، فهي جسم عضوى تتحد في اللغة والدين غالبا، يحكمها قانون واحد، ويشترك أفرادها في المنافع والمضار، كالأمة المصرية، يفيض نيلها باعتدال فينتفع بذلك كل المصريين، وتحسن زراعة القطن فيها سنة وترتفع أثمانه فيكون القطر كله في رخاء، تاجر يبيع للفلاح ما يحتاجه ومؤجرون يسهل عليهم تحصيل إجارتهم، وحكومة تحصل الخراج من غير عناء، وتتيسر المعاملات بين الناس، فالملاك بقبضهم أجور أملاكهم يعمرون ويبنون، فينتفع البناءون والنجارون ومنهم ينتفع غيرهم وهكذا.

كتاب الأخلاق · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كتاب الأخلاقص ١٨