حضور وشهود حضارى ـ كما قلت ـ فى العالم كله، ويكون لها بعثات تزود الوطن الأم أو الأمة العربية بالزاد، لأن العرب ص _223
هم دماء الإسلام وقلبه، بوصف أن القرآن كتاب العربية الأول.. وتزود بمعلومات عن المجتمع كله من نواحيه العلمية، والعملية، والخلقية، والحضارية، لكل ما يتصل به.. وأجهزة الدعوة عندما تكون عندنا جاهلة أو قاصرة فهى أجهزة فاسدة. هذا يقتضى السير فى الأرض لمعرفة الرأى الآخر.. فكون القرآن يعرض لأنواع من العقا ئد، والملل، والأفكار، والاتجاهات، ويناقشها، ويدعوها إلى المحاججة، والجدل، والمباهلة، فهذا دليل على أنه لا مانع من معرفة ما عند الآخرين.. حتى العقائد، عرض لها القرآن، إذ كيف يعالج الإنسان قضية لا يعرفها؟ وكيف يحاور أناسا لا يطلع على ما عندهم؟ فالقرآن أباح للمسلم أن يطرح على الساحة الإسلامية عقائد الآخرين.. لا يزال قوله تعالى : (هاتوا برهانكم ) قائما.. وقد تكررت هذه الجملة أربع مرات فى كتاب الله.. فالطلب لا يزال قائما. ولابد أن أقول للآخرين ( هاتوا برهانكم ) !.. وإلا، كيف أحاورهم؟! وكيف يتم إقناعهم دون أن أسمع إلى ما عندهم؟! لابد أن أعرف ما عندهم معرفة دقيقة، وصحيحة، دون تزييف.. وهم الذين يصورون وجهة نظرهم، لا أنا، حتى أكون سامعا لكل ما لديهم بدقة.. وهذا هو الإنصاف.. وديننا الإنصاف. يعنى: أن القرآن الكريم طلب إلى المسلم الشهود الحضارى، ووجوب التعرف على الآفاق الثقافية والحضارية.. فمن خلال إشارات القرآن، يجب الانطلاق باتجاه الثقافات الأخرى، والنظم الإدارية الأخرى، والعقائد الأخرى، والأحوال الاجتماعية الأخرى، والتاريخ الآخر، وما إلى ذلك.. لابد أن تتلاقى تيارات الفكر العالمى عندنا.. وإذا لم يكن تيارنا قويا، فنحن نستحق ما يصيبنا. الإسلام إنما يعلو ـ ولا يعلى عليه ـ ببقائه إسلاما.. فإذا تحول الإسلام ـ وهو دين العقل ـ إلى تقليد أعمى فى أرضه، فإنه لا يسمى إسلاما.. لابد أن