الذى تعيش فيه.. وقد يكون المحيط من الناحية العلمية متميزا، لكن الإنسان ليس عقلا ص _210
فقط ، الإنسان قلب. وربما كان هناك علماء تغلب عليهم السجية، وربما كان هناك من دونهم ذكاء ولكن تغلب عليه الفدائية.. الكمال البشرى يُنظر فيه إلى جوانب متعددة.. ولهذا فإن عظمة القرآن تبقى، يكتشفها إلى آخر الدهر من يبقى صاحب عقل مشرق ملهم مستنير، وكما جاء فى الحديث: " أمتى كالغيث، لا تدرى أوله خير أم آخره " . فلعل فى الآخرين من يدخل فى النطاق الذى كان النبى عليه الصلاة والسلام يتشوق إليه ويقول: " وددت أنا قد رأينا إخواننا " يقولون له: ألسنا إخوانك ؟ قال: " أنتم أصحابى " .. فمن هم الإخوان الذين يتطلع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى أن يكونوا معه، ويحب أن ينظر إليهم؟ لاشك ناس كانت صلتهم بمعجزته العملية والأدبية والبيانية التى هى القرآن، كانت صلة عميقة جدا، استدرجوا الوحى بين جنوبهم، واستطاعوا أن يفسروه فى عصور المعرفة والتقدم العلمى بما يجعل الإسلام يمتد ويشتد، وهذا كسب كبير. هذا جانب من القضية.. لكن الجانب الآخر، هو أقرب لأن يكون فلسفيا منه أن يكون استقراء لواقع: أنه طالما أن القرآن خطاب الزمن كله، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، خطاب الأجيال، والأجناس، والعلماء، والمستويات الحضارية المتفاوتة " فلا يمكن منطقيا، بحال من الأحوال ـ وقد يتعارض هذا مع خلود القرآن وعالميته ـ أن نجمده عند فهم عصر معين.. التجميد غير وارد. لكن الانطلاق لابد أن تكون له ضوابط.. نحن لسنا مع ما يسمى بأدب البرج العاجى، نحن مع الواقع البشرى.. والقرآن يناسب الزمن والمكان كله.. كل ما هنالك أننى أحب أن أذكر وأؤكد أن القرآن كتاب عربى، وأن الخصائص العربية: الجملة والتركيب والمفردات، لا يمكن أن تتجاوز وتمحى. نحن نستصحب فهم الجيل الأول، ولابد من ذلك لأن تراكم المعارف أمر ضرورى جدا . ص _211