وامتداده العرضى يشمل الأجناس كلها.. نحن الآن فى القرن الخامس عشر للهجرة، لكن الأجناس متفاوتة فى ذكائها، ومستواها العلمى. وممكن لكل من هذه الأجناس أن يصل إليه القرآن، ويتجاوب معه، ويفهم منه. العبارة القرآنية فيها مرونة تجعل معانى كثيرة تخرج منها أو تتحملها الآية.. وهذا ما أشار إليه الإمام على كرم الله وجهه عندما قام ابن عباس وجادل الخوارج: "لا تحاجهم بالقرآن، فإن القرآن حمال أوجه.. " فكلمة "حمال أوجه " هى فى الحقيقة تشير إلى طبيعة الصياغة القرآنية.. وكان لابد أن تكون فى الصياغة هذه المرونة لكى تبقى وتكون ممتدة مع الزمن.. ففيها مرونة ظاهرة بحيث أنه إذا تكلم فى التاريخ أو تكلم فى وصف أرض، أن تكلم فى شئ، تنزل عبارة لها نسيج معين بحيث يمكن أن يستقبلها العبقرى ويغوص فيها، ويمكن أن يصل إليها العامى ويستقر عند حدودها الأولى. فهذا من خصائص القرآن الكريم. وقد لاحظ هذه الخصائص كل متذوق للقرآن. وأظن الشيخ دراز كتب عن هذا فى كتابه "النبأ العظيم ". فالكتاب لكى يكون للزمان كله، وللعقول كلها، وللقلوب كلها، كانت صياغته فيها هذه المرونة العجيبة التى تجعل كل الناس مهما تفاوتوا يستريحوا إليه، وينبعثوا عنه وهم راضون.. ولذلك، نرى قفزة العلم فى عصرنا هذا، وبالذات فى الخمسين سنة الأخيرة، فقد تضاعف العلم البشرى أكثر مما تضاعف خلال الزمن كله، ومع هذا يبقى القرآن، ولو أن إينشتاين قرأه لما وجد فيه ما يناقض العلم الذى اكتشفه فى الكون، بل لوجد أن خالق الكون كما رآه هو فى ثنايا البحث المادى، هو منزل هذا القرآن الذى يشعر قارئه بأنه حكيم وعليم وعظيم، بقدر ما فهم هو من دراسته الكونية. فأجد أن أى عبقرى ـ من علماء الحياة والكون ـ يقرأ القرآن، يشعر بأن خلق الكون وإنزال القرآن من مصدر واحد.. هذه خصائص القرآن.. بينما أنت تقرأ ص _208
كيف نتعامل مع القرآن · الصفحة ٢١٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
كيف نتعامل مع القرآنص ٢١٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي