الفصل العاشر: في شكر الإنسان للإنسان
ورد شكر الإنسان للإنسان في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:14]
وقد ذكر المفسرون أنَّ (أن) في قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ تفسيرية. ويكون ما بعدها بيان للوصية. أي: قلنا له: اشكر لي ولوالديك، وإنما وُسّط الأمر بشكر الله تعالى مع أن الوصية في الآية مخصوصة بالوالدين، لبيان – والله أعلم – أن صحة شكرهما متوفق على شكره عز وجل، وأنه لا يقع موقعه إلا بعد شكر الله تعالى (1). قال ابن عباس – رضي الله عنهما -: (ثلاث آيات مقرونة بثلاث، لا تقبل منها واحدة بغير قرينتها، فذكر منها قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ قال: فمن شكر الله ولم يشكر والديه لم يقبل منه) (2).
فالله تعالى أمر بشكره وهو الاعتراف بالنعم الظاهرة والباطنة عموماً وخصوصاً، مع التحدث بذلك، والاستعانة بها على طاعة المنعم، مع حبه والخضوع له (3).
وأمر بشكر الوالدين. وهو برهما بخفض الجناح، ولين الكلام، وألا ينظر إليهما إلا بعين المحبة والإجلال، ولا يعلو عليهما في مقال، إلا أن يريد إسماعهما، ويبسط أيديهما في نعمته، ولا يستأثر عليهما في مطعمه ومشربه، ولا يتقدم أحد أباه إذا مشى معه، ولا يتقدمه في القول في مجلسه، فيما يعلم أنه أولى به منه، ويتوقى سخطهما بجهده، ويسعى في مسرتهما بمبلغ طاقته وإدخالُ الفرح عليهما من أفضل البر، وعليه أن يسرع إجابتهما إذا دعواه، أو أحدهما، فإذا كان في النافلة خففها وتجاوز فيها، وأسرع إجابتهما، ولايقول لهما إلا قولاً كريماً) (4).
وشكر الإنسان لمن صنع إليه معروفاً قولياً أوفعلياً، أو مالياً ولويسيراً، أو علَّمه أو أفاده فائدة يعد من مكارم الأخلاق، ومن الآداب الطيبة، التي أمر الله بها ورسوله. وعليها اتفق العقلاء (5).
(1) انظر روح المعاني (12/ 86).
(2) انظرالكبائر للذهبي ص (40).
(3) الرياض الناضرة ص (244).
(4) الجامع للآداب: لابن عبد البر ص (17).
(5) الرياض الناضرة ص (271).