وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ... [الأعراف: 182 - 183]. قال سفيان الثوري – رحمه الله -: (نسبغ عليهم النعم ونمنعهم من الشكر، كلما أحدثوا ذنباً أُحدثتْ لهم نعمة) (1).
وهذا واقعنا – اليوم – نعم متنوعة، وخيرات وفيرة، وجديدٌ كلّ يوم جديد، وبالمقابل: فالمعاصي تزيد، والشر ينتشر، كفر وإلحاد. ومحادة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، محاربة للدين، ونشر للإباحية، إعانة للفساد، واستعانة بالنعم على معاصي الله، فالعاقل المتأمل في سنن الله الكونية وما قصَّ الله في القرآن يخشى من العقوبة. يخشى من زوال النعمة وتحويل العافية.
وقد دلت النصوص على أن الله تعالى لا يسلب قوماً نعمة أنعمها عليهم حتى يغيروا ما كانوا عليه من الطاعة والعمل الصالح. وما ربك بظلام للعبيد. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:53] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:11] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير ٍ﴾ [الشورى:30].
إن هذه الآيات من كتاب الله الكريم تدل على أمور أربعة لعلنا نقف عليها ليتبين لنا شيء من سنة الله تعالى في عباده، ونستفيد مما قصَّ الله علينا في القرآن ....
الأمر الأول: أن الله تعالى لا يسلب العباد نعمة وهبهم إياها إلا بعد أن يغيروا نواياهم ويبدلوا سلوكهم ويقلبوا أوضاعهم. ويستحقوا أن يُغَيِّر ما بهم مما أعطوا إياه من النعم التي لم يقدِّروها ولم يشكروها.
الأمر الثاني: تكريم الله لهذا الإنسان حيث إن الله تعالى يُنْفذُ قدره ويجريه عن طريق حركة هذا الإنسان وعمله، فيجعل سبحانه التغيير القدري في حياة الناس مبنياً على التغيير الواقعي في سلوكهم وعملهم.
الأمر الثالث: عدلُ الله تعالى ورحمته بهذا الإنسان الضعيف. فكل مصيبة تصيبه في بدنه وماله وولده وفيما يحب لها سبب مما كسبت يداه من السيئات. ولكن الله تعالى لا يؤاخذه بكل ما يقترف، وهو يعلم ضعفه وما ركب في فطرته من دوافع تغلبه في أكثر الأحيان فيعفو عن كثير
(1) رواه ابن أبي الدنيا في الشكر ص (41) وإسناده صحيح.