إن فتح أبواب الخير وإغداق الأرزاق وتنوع النعم، ليس دليلاً على الرضا مالم يكن هناك شكر لهذا العطاء وتصرف حسن بهذه النعم، بل يخشى أن يكون هذا استدراجاً من الله تعلى وإملاء للعبد ومكراً به. ثم تكون ... الضربة القاضية.
وقد قص الله تعالى علينا من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية ما فيه عبرة وعظة لقد أخذهم الله تعالى وراء ازدهارحضارتهم لما غمرتهم الخيرات وفتحت عليهم الدنيا، ولكن خلت قلوبهم من الذكر والشكر ,. وفسدت أحوالهم وساءت حياتهم كلها. فأهلكهم الله.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾، ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ:15 - 17].
وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112].
إن سنة الله ماضية من أعرض عن شكر الله تعالى وعن العمل الصالح وعن التصرف الحميد في نِعمِ ربه عليه. فهوحري بسلب هذا الرخاء وإبداله بالجوع، وسلب نعمة الأمن وإبدالها بالخوف. والإنسان إذا نشأ في نعمة ورخاء وأمن، كيف تكون حياته إذا تحولت إلى جوع وخوف؟ كيف يعيش حياة الفقر والخوف بعد حياة الرخاء والأمن؟ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتححول عافيتك وفُجاءة نقمتك، وجميع سخطك) (1).
وقد بين الله تعالى في كتابه عاقبة كفر النعمة. وأن الإنسان لا يغتر بإنعام الله عليه مع إعراضه وجحوده فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ
(1) رواه مسلم رقم (2793).